هـذه حـقيقة كونية أصبحت قاعدة فـقهية.. قـد تسمعها أحياناً بصيغة (النادر، أو الاستثناء، لا حكم له) ولكنها في جميع الأحوال تعني أن الأحكام لا تبنى إلا على الغالب العام..

فبناء الأحكام على الشاذ والنادر (والتصرفات الفردية) فيه ظلم للسائد والعام والمجتمع ككل.. حين تصاغ القوانين والأنظمة التشريعية بناء على ما تفعله قلة شاذة (ممن لا يشكلون سوى 1 % من المجتمع) فإننا بذلك نظلم المجتمع ونضيق على معظم الناس (ممن قد يشكلون 99 % من المجتمع).. كل من عاش في (الخارج) يلاحظ سهولة الإجراءات وانتفاء البيروقراطية والتعقيد الذي نلاحظه في دوائرنا الحكومية.. ويكمن السر في أن القوانين هناك وضعت على أساس أن معظم الناس شرفاء لا يجوز تعقيدهم والتضييق عليهم لمجرد وجود شواذ يتعمدون الغش والتلاعب بالأنظمة.. وفي المقابل توضع القوانين في الدول العربية على أساس أن المواطن (محـتال حتى تثبت براءته) فـيتم تكبيله بشتى أنواع التواقيع والتعهدات والكـفالات والكمبـيالات وحجز بطاقة هـويته حتى وقت قريب..

... هـذا من ناحية القوانين والأحكام القضائية..

  • أما من ناحية الأعراف والأحكام الاجتماعية، فالشاذ أيضاً لا حكم لـه..

لا يصح مثلاً أن تصدر حكماً على المجتمع من خلال تصرفات بعض الأفراد فيه..

لا يصح أن تعـمم وتـتهـم وتضخم الأمور مستشهداً بحالة فردية لا تثبت غير وزر صاحبها..

لا يصح أن تقول مثلاً إن المنتمين (للجنسية الفلانية) مجرمون أو محتالون أو نصابون، حتى إن لاحظت تكرار هذه التصرفات بينهم..

فـالحكم بهذه الطريقة، يشبه الحكم على (جميع السعوديين) من خلال تصرفات سائح فاسد، أو الحكم على (جميع المسلمين) من خلال تصرفات إرهابي قطع رقبة معارض..

المؤسف أكثر أنـنـا نعمم هذه الأحكام الاستثنائية على أنفسنا ونرسم من خلالها صورة سيئة عن مجتمعنا.. نقتطع من التصرفات الفردية ما يوحي بفساد المجتمع، وتدهور الأخلاق، وهلاك الأمة، ونظل نتداولها في وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها ظاهرة عامة..

على العكس تماماً، يجب أن نتجاهلها، ونتوقف عن تداولها، ونحاول وأدها في مكانها.. يجب أن ننظر إليها (بطريقة معاكسة) ونعتبرها من قبيل الاستثناء الذي يثبت سلامة القاعـدة.. فحين تنطلق فـتاة لتعانق فـناناً أمام المـلأ.. وحين لا تفعل ذلك أكثر من 300 فـتاة يبقين في مكانهن بحشمة وأدب، فمن الظلم أن نصدر أحكاماً تفسق «الجميع» بناء على تصرف فردي شاذ أو غبي أو حتى مريض نفسي..

سمعت شيخاً فاضلاً استشهد (على ضرر الاختلاط) بقصة ممرضة حملت من زميل لها في العمل.. ورغم أنني أصدقه ولا أشك بأمانته، اعتبرتها مغالطة عممت الاستثناء واستشهدت بالنادر.. فـإن كان فضيلته يعرف قصة استثنائية كهذه (والنادر لا حكم له كما قال الفقهاء) نعـرف نحن آلاف الممرضات العفيفات اللواتي لم يحدث معهن شيء.. لا يمكنك أن تدعي غير ذلك، لأن تعميم الادعاء يعني تعميم الاتهام وتحمل وزر المتبقيات.. المأساة التي حصلت في قصته يمكن أن تحدث لآلاف الأسباب، آخرها العمل في مستشفى حكومي (بدليل وجود 27 ألف ممرضة يعملن في مستشفياتنا بلا مشكلات)..     

ما أود التنبيه إليه هو أن النماذج التي نستشهد بها معظمها تصرفات فردية (وغالباً نسائية، كون مبدأ الستر لا يظهر إلا بالحالات الرجالية فقط).. والتصرفات الفردية يتم تطبيق الإجراءات النظامية على مرتكبيها فقط في حال استحقت العقوبة.. هذا هو المعنى الحقيقي لقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} حيث يتحمل كل إنسان وزر خطيئته بنفسه ولا يجب تحميلها لغـيره ــ ناهيك عن المجتمع بأكمله..

صدقوني، المجتمع بخير.. وأمة محمد بخير.. وإِذَا قَالَ الرَّجُل هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ــ (حديث صحيح)..