مضى شهر رمضان المبارك، وهو شهر خير تكثر فيه أعمال الخير، ويجتهد الناس فيه لكسب الأجر، ورضا الرحمن بطرق مختلفة، هذا الاجتهاد والعمل الخيري فردياً كان أو مؤسسياً منطويٍ تحت جمعية خيرية، لكن ماذا بعد ذلك؟ فهو لايزال متروكاً دون أدوات للقياس والتقييم!

نحن كمجتمع نلحظ وبشكل مباشر وغير مباشر و- لله الحمد - التنوع الكبير الذي استجد في أعمال الخير المختلفة بعد أن تنوعت العناصر المساهمة فيه، ولم يعد محصوراً على فئة دون أخرى وبعد أن زاد الوعي بأهمية التطوع فيه ومزاولة أشكال مختلفة منه، أنتجت بلا شك نتائج مشرفة ساهمت في رفع العناء عن الكثيرين لكنها مع ذلك ظلت بعيدة عن التقييم العلمي والعملي لمعرفة الإنجازات التي حققت والآليات التي أسهمت في نجاحها وتميز أداء بعضها.

الجمعيات الخيرية تتنافس فيما بينها في تقديم الخدمات المختلفة والجماعات المتطوعة تلجأ لوسائل التواصل الاجتماعي للتنويه عن نشاطها واستقطاب الدعم لها، هذا الحراك المجتمعي الجميل من الضروري أن يُدرس وتُدرس نتائجه بطريقة منهجية تفيد المنخرطين فيه لتحسين أدائهم وترشد من أراد السير على منوالهم من أين يبدأ وإلى ماذا يحتاج لينجح ويفيد المجتمع بنشاطه الخيري بشكل أكبر.

الجمعيات الخيرية المتخصصة لها إحصائياتها الخاصة بها والمبنية على مرئياتها هي، ولأنها تستند في ذلك إلى خطط عملها التي رسمتها، لكن ماذا عن الجانب الآخر من التقييم لهذه الجهود المستمرة والمثابرة هل هو موجود فعلاً؟

حصر الأداء قد يبدو للناس أمراً صعباً وربما غير ضروري؛ لأنهم يستمدون الحاجة للعمل الخيري من عاطفتهم، والعاطفة قد لا تحتاج إلى أرقام لتستحث مساهمتهم لكن الأرقام المستندة لحقائق مسجلة تظل هي الوسيلة الأفضل لرسم خارطة العمل الخيري، ومدى الحاجة للمساهمة فيه.

وهذه الأرقام هي التي ستستطيع أن تدير دفة التطوع وآلية العمل الخيري بكفاءة وقدرة أشمل.

ولو تولت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية هذه المهمة وعودت الناس على تقديم تقارير فصلية وسنوية شاملة وأخرى إحصائية عن النشاط الخيري في المملكة العربية السعودية، مجالاته والمناطق التي يغطيها ويشملها ومعدل النمو أو الانحسار في أدائه ونسب العاملين بشكل رسمي، والمتطوعين في الأعمال الخيرية وأعمارهم، ومقارنته بمدى الاحتياج لقدمت للمجتمع بشكل عام وللعاملين في المجال الخيري المتنافسين فيه رؤية أكثر وضوحاً عن حجم إنجازاتهم وعن أماكن القصور والاحتياج التي لم تطلها بعد أيادي الخير، أو أنها ليست كافية بعد، ولأعطت تصوراً أوضح لكل مريد للخير ليضع ماله أو جهده وعمله في المكان والمجال الأكثر احتياجاً أو الأكثر إنجازاً ونجاحاً.

أعمال الخير يريد لها البعض أن تكون دائماً في الظل لكن تسليط الضوء عليها وعلى ما أنجز من خلالها سيزيد من فائدتها، وسيسهم التقييم في زيادة كفاءتها من دون أدنى شك.