خلافة الإنسان في الأرض تتجلى في إحيائها، وإظهار بهجتها، وإصلاحها، وعدم الإفساد فيها، وإبراز مواهب العقل في عمرانها وإقامة العبودية التي نوعها الله لترغيب العباد فيها..

بين النهايات والبدايات ارتباطات بها ترسم طريق الانطلاق والتوقف، ولعل في حياة كل أحد منا مشاوير لا تحصى ولا تعد، ولكل مشوار بداية ونهاية، ولا حديث لي اليوم عن مشوار الحياة وآخره، ويكفينا إيجازًا واختصارًا لآخره ما وعظ به التنزيل «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز» وهذا المشوار غيرُ بيّنةٍ نهاياته إلا أنها واقع ستعيشه كل نفس وعليها المعتمد «إنما الأعمال بالخواتيم».

وبداية الحياة ونهايتها في هذه الدنيا قد قدرها الله وجعل غايتها منيفة بها يتسابق الناس إلى حياة أخرى بعد «نهاية المشوار» وبين ذلك بعثت أنبياء وأرسلت رسل، واختلفت بدايات مشاويرهم مع أقوامهم ونهاياتها، ولا أحسن من القرآن في قصها وذكرها، وقامت حضارات وأبيدت شعوب، وجاءت دول وما زالت تتسابق وترسم حياتها بحسب معتقدات وتوجهات شعوبها، حتى وصل الحال بالناس إلى المسابقة إلى اختراق الفضاء واستيطانه، وأوجدت بَونًا شاسعًا بين بداياتها وآخر مشاويرها، فربما ابتدأت من فقر وانطلقت حتى أبهرت العالم بمنتوجاتها واختراعاتها، بينما دول أخرى أساءت التقدير والرسم والتخطيط ولم تحدد طريقًا لمشاويرها فتهاوت وكأنها لم تسر.

والتفكير بالمستقبل هو ما يشغل أفكار كثير من شبابنا وأجيالنا، وإحسان البدايات مبشر بحسن نهاياتها، وهناك فروق بين بني البشر في مراتبهم ونفعهم، وربما وجدت الرجلين لم يفترقا في طفولة ولا في مدرسة حتى فرقت بينهما طريقة تفكيرهما فيمّن هذا وأشأم ذاك! فارتقى ذاك المراتب والمناصب ونال جل ما تمناه في طفولته، بينما الآخر ما زال يبحث عن طريق إذا لم يكن قد أخذ الإحباط منه مأخذه.

ولعل الله جعل في شهر رمضان صورة مصغرة اختصرت فيها همم المتسابقين، وأفصحت ألوانها عن نباهة الموفقين، فجاءت بدايته وانطلاقته مليئة بالخيرات، وقُسم مشواره على محطات، يتزود الكيّسون من أولها ما يضاعف جهودهم في آخرها، وقد كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قدوة المتسابقين إلى الخيرات، وسيد من كسب الحسنات، فكان مشواره «يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها»، وهذه حال الآخذ في السباق فإن الخيل تسارع خطواتها وتزيد سرعتها في آخر مشوارها غير ما بدأت به.

وما ذكرت فضائل رمضان إلا للحث على الاجتهاد فيه، ولا ذكرت فضائل العشر الأواخر إلا للحث على الاجتهاد فيها، وفي ذكر فضائل رمضان وفضائل عشره الأواخر ما لا يستوعيه مقال، إلا أننا نذكر بفضائلها ونستصحب هذا التذكير أيضًا بتذكير الشباب والأجيال أن المسألة ليست مجردة في قيام وصيام وقراءة قرآن، بقدر ما هي صورة تعكس ما يحسن بالمسلمين التفكير به من رسم الحياة وفق مخطط دقيق يجعل من العبادات والشعائر الدينية محطة يتزود منها لإكمال مشواره وبناء وطنه، وعمارة الحياة الدنيا بالخير والعدل والرحمة والتكافل، وغير ذلك مما أريد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج، التي تكاد تجتمع في رمضان، فالعمرة حج أصغر.

وما أجمل أن تؤدى شعائر الإسلام وعباداته على بساط يسير عليه المسلمون إلى أرقى الحياة ويرتقون بحياتهم في درجات آخرتهم، وما أعظم أن يستغل المسلم نفحات ربه للتقرب إليه ويستغل قربه من خالقه لتحقيق غاية وجوده في هذه الدنيا «إني جاعل في الأرض خليفة» فخلافة الإنسان في الأرض تتجلى في إحيائها، وإظهار بهجتها، وإصلاحها، وعدم الإفساد فيها، وإبراز مواهب العقل في عمرانها وإقامة العبودية التي نوعها الله لترغيب العباد فيها.

في رمضان بداية ونهاية، وفي كل السنة أيضًا بداية ونهاية، والحياة مشوار قد يطول لأحدنا وقد يقصر لآخر، قد يستغل وقد لا يستغل، وهو العبرة من الطول أو القصر، وكم من أناس وكم من شعوب وكم من دول بدأت وساءت نهاياتها، إذ تهاونت بين بداية المشوار ونهايته، ومن بدأ طريق سفر من بلدة إلى أخرى فإن العبرة عنده بوصوله إلى غايته لا مجرد كونه قد سلك الطريق، فكيف بمن لم يسلك الطريق أصلاً؟!

وها نحن معشر المسلمين نسير في طريق يجمع بين حاجة الروح للعبادة وحاجة الجسد للمعيشة وليس علينا إلا التخطيط الصحيح ورسم الطريق السمح لنحقق الفوز العظيم، ففرحة الصائم عند فطره آخر مشوار صيامه اليومي، وفرحته عند لقاء ربه هي «آخر المشوار».