أمر خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بإنشاء وزارة للثقافة يعتبر نقلة نوعية في جهود رفع المستوى والمحتوى الثقافي للمجتمع، وذلك لأن الثقافة تعنى بتهذيب النفس والمنطق والذكاء، وبالتالي الرقي الفكري والأدبي والعلمي للأفراد والجماعات، فالثقافة تبني السلوك وترسم خارطة طريق للحياة السوية. ويدخل في ذلك رفع إيجابيات القيم والمبادئ واللغة والسلوك والمقدسات والتجارب والقوانين وتحفيز الإبداع والابتكار، وهذا يعني أنها تؤدي إلى تنمية الملكات العقلية والروحية للإنسان.

إن المؤسسات الحكومية والأهلية المعنية بالفعاليات الثقافية يجب عليها إبعاد الرتابة والملل المصاحب للفعل الثقافي البحت من خلال دمج العمل الثقافي والترفيهي عند الحاجة، بحيث يصبح الأخير عربة توصل الأول إلى الهدف من دون ملل، وهذا يشبه إلى حد ما التعليم من خلال اللعب.

من هذه المنطلقات نستطيع أن نقول إن أمام وزارة الثقافة الوليدة مهام جليلة داخلية وخارجية، يتمثل بعض منها في لم شمل العمل الثقافي وتمثيل الدولة في اللقاءات الثقافية والفنية في الداخل والخارج، وإقامة المهرجانات الفنية، بالإضافة إلى إقامة المواسم الثقافية، وفتح آفاق الثقافة للإفادة من حصيلة الفكر الإنساني، ويدخل في ذلك تعميم المكتبات العامة ونشرها في كافة أرجاء البلاد، وتفعيل دور الأندية الأدبية، ورعاية جميع أشكال الفنون وتطويرها بما يحافظ على التراث الأدبي والفني للأمة وإشاعته، وهذا يخلق المناخ المناسب لنمو الملكات الخلاقة وتشجيع المواهب الجديدة ودفع عجلة التأليف والترجمة في مختلف المجالات الأدبية والفنية.

وهذا يعزز الهوية الوطنية والانتماء لدى الشباب، وهذا يدخل في نطاق الاستثمار الأمثل لطاقات الشباب الذين يعتبرون الثروة الحقيقية للوطن، ويشمل ذلك رعاية المبدعين واحتضان الموهوبين في مجالات الثقافة والفنون، والاستفادة منهم في التنمية المجتمعية الشاملة من خلال تهيئتهم في مجالات القيادة والريادة والتواصل والإبداع والابتكار وزرع ثقافة العمل والالتزام. وكل هذا يأتي نتيجة لرفع المستوى والمحتوى الثقافي الإيجابي للمجتمع بما في ذلك الانفتاح الإيجابي على الحضارات الأخرى وتبني المفيد منها.

إن زرع ثقافة العمل والسلوك الإيجابي والحضاري بين مختلف طبقات المجتمع له أهميته، وذلك بالتنسيق مع كافة الجهات ذات العلاقة، ليس هذا وحسب بل إنه يجب احتواء الوافدين ودمجهم في ثقافة المجتمع من خلال تشجيعهم على الحضور والمشاركة.

نعم إن وزارة الثقافة جاءت لترعى وتنظم وتضبط الانفتاح الثقافي القائم والمستجد الذي تشهده المملكة بكل تخصصاته وفروعه، ويدخل في ذلك دعم الأندية الأدبية وجمعيات الفنون وتنظيم عمل المستجد منها مثل السينما والمسرح والموسيقى ودار الأوبرا، بالإضافة إلى أن إنشاء معهد للفنون يخرج أجيالاً متخصصة في كافة المجالات الفنية يكفل إنتاجاً محلياً يعكس الصورة الإيجابية للمجتمع على أساس مؤسسي وليس اجتهاداً فردياً. ناهيك عن أن مزاوجة العمل الثقافي والترفيهي في ضوء إنشاء المشروعات الترفيهية العملاقة في كل من القدية وجزر البحر الأحمر ونيوم ذات الأهداف الاقتصادية والترفيهية والتثقيفية، يحتم أن تصبح هيئة الترفيه تحت مظلة وزارة الثقافة، وهذا كله يصب في صلب رؤية 2030..