راهنت إدارة أوباما على جعل النظام الإيراني نظاماً «معتدلاً» يحترم القوانين والمنظومة الدولية مقابل إعطائه مساحة للتحرك اقتصادياً وخسرت الرهان. كذلك كان الفشل مع المراهنة على جماعة الإخوان المسلمين التي ظنت الإدارة الآنفة أنها بإعطاء الجماعة «مساحة» للتحرك والنشاط سياسياً والوصول لسدة الحكم ستجعلها أقرب إلى المناخ العالمي العام الذي ينبذ زعزعة الاستقرار وبث التطرف.

حوادث في ماضي منطقتنا العربية جعلت جماعة الإخوان المسلمين تتبنى خطاب المظلومية مع السعي لتغيير حقيقة هذه الأحداث التي كان الإخوان السباقين في العنف فيها، حيث شنوا حروبهم ضد دولهم وحكوماتهم لزعزعة الاستقرار طمعاً بالحكم بأي ثمن.

ادعاء المظلومية هذا بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي لم يعد أمراً منطقياً، فالإخوان استغلوا مطالبات الشعوب البسيطة والتي كان من الممكن أن تلبى بألف طريقة غير «بث الفوضى»، فأخذت وجوه قادتهم المتورطة بأحداث عنف وتطرف في الماضي تغير من وجه الحراكات والمطالب لتركب على موجة التغيير طمعاً بالسلطة ولو على أحلام الشعوب.

في عهد أوباما كان الإخوان المسلمين أمام فرصة تاريخية لا تتكرر، لتنتهي هذه الفرصة دون أي إنجاز بوصول الرئيس ترمب وفريقه وعلى رأسهم مستشاره للأمن القومي جون بولتون صاحب الحملة الأميركية الداعية لتصنيف «الإخوان المسلمين» كجماعة إرهابية محظورة في الولايات المتحدة.

عهد أوباما كان فرصة ذهبية لجماعات لم تملك أي شعبية في ماضي الولايات المتحدة لتوجه أوباما اليساري والمختلف والمتفرد بتفكيره، كبعض الجماعات التابعة للنظام الإيراني، وبعض الجماعات اليسارية التي تكاد تكون شيوعية، حيث رأينا أوباما يكسر الجمود مع كوبا لأول مرة في تاريخ أميركا، وأخيراً الإخوان المسلمين الذين نالوا في العهد السابق حظوظا وفرصا كبيرة تدحض ادعائات «المظلومية» وتؤكد عدم صلاحية الجماعة للقيادة حتى حين دعمهم أكثر الرجال نفوذاً في العالم، وهو الرئيس السابق «باراك أوباما».

الخطاب الإخواني يشيطن العلاقات مع واشنطن بعد الطلاق مع إدارة ترمب

عهد أوباما لا يكشف فقط كذب «الإخوان» الفاضح في ادعاء المظلومية، بل يظهر تناقضهم حيث تحولوا اليوم إلى مناضلين ونشطاء أممين ضد أميركا حين جاءت إدارة حازمة بصفع أحلامهم وطموحاتهم، تسعى إلى قص الأجنحة التي يستظل بها «الإخوان» من نظام «ولاية الفقيه» إلى «الجماعات الإرهابية» التي تقاتل لتكون بمثابة ذراع عسكري للجماعة على الأراضي العربية حيث لم يبقى لهذه الجماعات إلا البؤر المحاصرة في بعض أراضي سورية والعراق وليبيا.

منظمة ايسنا

في عهد أوباما، حظي الإخوان المسلمون بدعاية مجانية حتى قبل أن تندلع الفوضى في عدد من الدول العربية بداية العام 2011.

ومنذ اللحظة الأولى لتنصيبه، اختار أوباما «انغريد ماتسون» الأميركية المسلمة التي ترأس جماعة «ايسنا» المدعومة من قطر بشكل مباشر والمرتبطة بالإخوان المسلمين لتقديم صلاة «المسلمين» أثناء مراسيم تنصيبه.

بعد حفل التنصيب، أثارت عدد من الصحف الأميركية إشارات استفهام عن مشاركة ماتسون في حفل تنصيب الرئيس بسبب ارتباطاتها المعروفة مع منظمة الإخوان المسلمين وحماس. الرئيس أوباما لم يقدم أي توضيح حول ارتباطات ماتسون مع الإخوان المسلمين بل أرسل كبيرة مستشاريه «فاليري جاريت» لتكون المتحدثة الرئيسية في الجمعية الوطنية لايسنا في العام 2009.

وعلى الرغم من خطاب الإخوان المسلمين ومشردي «الربيع العربي» المزاود على أي صفقة عربية تعقد مع الولايات المتحدة، كانت جماعة الإخوان السباقة في تأسيس «إيسنا» كذراع سياسية وترويجية لرؤية الجماعة في الولايات المتحدة حيث تأسست المنظمة في ستينات القرن المنصرم.

في عام 1981 أخذت «ايسنا» شكلها الحالي بعد أن دعمتها قيادات معروفة من التنظيم الدولي للإخوان في مقدمتهم يوسف القرضاوي وأمير قطر السابق حمد بن خليفة.

وضربت إدارة أوباما بعرض الحائط جملة من التقارير التي أصدرتها عدة جهات أميركية في الماضي محذرة من «ايسنا» حيث اعتبرت وزارة العدل الأميركية «منظمة ايسنا» واحدة من الجماعات الموالية في التفكير لجماعة الإخوان التي تهدف إلى تدمير المجتمعات الغربية، كما اعتبرتها وزارة العدل متآمرة في جمع التمويل لحركات مسلحة في أميركا.

في أعقاب اندلاع الاحتجاجات في مصر وأماكن أخرى في العالم العربي في العام 2011، جعلت إدارة أوباما من «ايسنا» حلقة وصل بينها وبين الـ»الثورات» والقائمين عليها، لتقوم المنظمة وبشكل ممنهج بوصل الادارة مع العناصر الإخوانية فقط في التحركات العربية الأمر الذي قواها على الأرض وفي الإعلام، لتعلن فشلها أخيراً بعد الدعم اللا محدود من واشنطن.

اعتماد أوباما على «ايسنا» والمحيطين بها، كان كفيل بجعل كل وجهة نظر إدارة أوباما حول «الربيع العربي» وجهة نظر اخوانية دون فهم أبعاد الحراكات، حيث سارع باراك أوباما في أعقاب الاحتجاجات في مصر للقول «جميع جماعات المعارضة يجب أن يكون لها تمثيل في الحكومة المصرية» كما أكدت الإدارة آنذاك ارتياحها الكامل لرؤية الإخوان المسلمين في سدة الحكم في مصر.

أوباما الداعم الوحيد

حين وصل أوباما لسدة الحكم بدأ عهده بخطبة في جامعة القاهرة، وعد من خلالها بعلاقات جيدة مع العالمين العربي والإسلامي.

قبل أن يتجه أوباما لوجهته الخارجية الأولى (مصر)، كان قد تقدم بطلب خاص من حكومة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، حيث طلب أن يكون قادة جماعة الإخوان المسلمين المعاقبين في مصر متواجدين في الصف الأمامي أثناء إلقاء خطبته الأمر الذي كشفت عنه صحيفة «ذا اتلانتيك» في العام 2009 لتسميه الصحيفة بعد ذلك مهندس انقلاب الإخوان المسلمين على واحد من أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط «الزعيم المصري حسني مبارك».

لاحقاً؛ طالب أوباما عبر هيلاري كلينتون القاهرة برفض حظر السفر عن قيادات إخوانية في مصر، كما ساعدتهم الإدارة على الحصول على تأشيرات لدخول أميركا والبدء بنشاطهم السياسي المكثف فيها بين العامين «2009 - 2011».

في عهد أوباما، كان من العادي أن ترى أعضاء من حماس والإخوان المسلمين وعصابات مسلحة سورية مرتبطة بالإخوان تدخل البيت الأبيض وتلتقي مسؤولي الأمن القومي فضلاً عن الرئيس ومستشاريه في البيت الأبيض.

وفي ديسمبر الـ2014، وبينما كانت مصر تلملم جراحها وتخرج من انتخابات أجمع عليها الشعب المصري وباركها الزعماء العرب والدوليين، كرر أوباما دعوته لقيادات الإخوان عبر دعوة المسؤولين في منظمة «كير» المروجة لجماعة الاخوان للاجتماع مع مستشارة أوباما المقربة للبحث في مسألة التمييز ضد المسلمين بمحاولة من البيت الأبيض في العهد الماضي لتصوير الإخوان المسلمين على أنهم ممثلين حقيقيين لمسلمي أميركا ومتحدثين عنهم وناقلين لهمومهم بينما لم يكن هناك مكان في العالم لا يدفع ثمن الانفجار الكبير الذي أحدثه تحريض الإخوان في المنطقة.

في العام 2015 وبينما كانت قد فضحت كل مؤامرات تنظيم الإخوان المسلمين على المنطقة والعالم، اتخذت المملكة المتحدة خطوة جريئة قامت من خلالها بإعداد قائمة كبيرة من المنتمين للجماعة لحظرهم من دخول بريطانيا إضافة إلى كل المتعاملين معهم ومع منظماتهم، وذلك بسبب قناعة بريطانية بأن جماعة الإخوان المسلمين هي من يرفع راية «العنف» في العالم.

كانت هذه القائمة البريطانية نتاج 18 شهراً من التحقيقات في ارتباطات الجماعة حيث قال الملخص الأمني لمجلس العموم البريطاني «هناك منظمات خيرية وجماعات تبدو وكأنها مسالمة ولكننا اكتشفنا ارتباطات عنفية لها وحلقة الوصل هي الإخوان» كما جاء في البيان «البحث في الهوية السياسية لهذه المنظمات أمر مهم للغاية، وتفكيكها واجب علينا في داخل بلادنا وخارجها لأنها تتعارض مع مصالحنا وأمننا القومي».

رد أوباما على هذه الخطوة البريطانية كان «ندين التحرك البريطاني ضد الإخوان ونعتبره قمعا سياسيا»!

كما أفرد البيت الأبيض بياناً مطولاً يلوم مجلس العموم البريطاني على تحركه، الأمر الذي أثار استهجان الأميركيين لاتفاق شريحة كبيرة منهم مع الموقف البريطاني الذي وجد جماعة الإخوان المسلمين في العام 2015 جماعة «محرضة على العنف».

الإخوان وأميركا اليوم

لا شك أن معاداة التطرف تأتي في مقدمة قناعات الرئيس ترمب وفريقه الرئاسي، إلا أن المواقف العربية الأخيرة الحازمة مع جماعة الإخوان المسلمين اقليمياً، أعطت الجانب الأميركي دفعة كبيرة لتدشين عهد جديد يعتبر جماعات الإسلام السياسي «أدوات دعم معنوي لداعش والقاعدة» وجماعات غير مرغوب بها كما أن إمكانية وصولها للحكم في أي بلد أصبحت من الماضي، كما خصصت المعاهد البحثية دراسات طويلة حول صلات الإخوان بالخطاب المحرض على العمليات الإرهابية بالغرب.

مع وصول ادارة ترمب قام رئيس السي اي اي «مايك بومبيو» ووزير الخارجية الأميركي الحالي، بإلغاء برنامج «CIA» لدعم وتسليح «جماعات سورية معارضة» كان يستفيد من هذا الدعم بغالبيته فصائل اخوانية تتماهى مع الموقفين التركي والقطري وخارطتهم للمتغيرات في سورية.

كما دعا الكاتب والباحث «ايريك تراجير» عبر صحيفة الكونغرس، كل الممثلين والأعضاء في الكونغرس الأميركي الى مقاطعة الجلوس مع أي منتمين لجماعة الاخوان، الحملة التي لقيت صدى كبير ليس فقط في الكونغرس بل في كل المؤسسات الاميركية التي تغلق أبوابها اليوم في وجه المقربين من الإخوان المسلمين.

لم يبقى للاخوان المسلمين اليوم إلا الاستسلام لليأس من أي «بركة» أميركية ترميها لهم الادارة الجديدة التي تشيح بوجهها عن الجماعات الهزيلة والمشبوهة وتضع كل ثقل سياستها الخارجية في الشرق الأوسط بالاستثمار مع الحلفاء النافذين والمؤثرين في المنطقة في مقدمتهم المملكة العربية السعودية الأمر الذي قطع الطريق والأمل على الاخوان ليختاروا العودة الى خطاب التحريض على الغرب وأميركا والسعي للمزايدة على الآخرين حول علاقتهم مع أميركا بعد سبع سنوات من تماهيهم مع إدارة أوباما دون طائل أو مكتسب يذكر.

قلة صبر الإخوان، ولجوئهم للعداء والتطرف والعنف عند أول محك تجعلهم في سلة الخاسرين دائماً، فما حصلوا عليه في عهد أوباما كان دعم غير مسبوق وفرصة قد لا تتكرر لعقود قادمة. لم يستفد الإخوان من صولاتهم وجولاتهم في البيت الأبيض لأكثر من سبع سنوات وكشفوا عن وجههم الحقيقي تجاه أميركا والعالم ومحيطهم وحتى أقرب المقربين منهم بأسرع من المتوقع، ليستمر الإخوان هكذا ومنذ تأسيسهم في العام 1928، بكونهم جماعة شريدة بلا وطن، ليست أكثر من ورقة في يد أنظمة هزيلة تقتات على شعاراتهم التي تغذيها الوجوه المملة ذاتها التي يعاد تدويرها من الثمانينات.