تحت أضواء مهرجان «كان» لمع نجم الطفل السوري زين الرافعي، وتألقت الحبشية السمراء مثلها مثل نجوم السينما الذين قدموا من كل العالم.

الطفل المبهور بالجماهير وبنجوم السينما المتأنقين حوله، نظر إلى الحلم البلّوري الذي اختطفه من الشارع اللبناني دون سابق إنذار، كان سعيداً أغلب الوقت، حائراً أحياناً، تعب ونام خلال مؤتمر صحفي، غير آبه لحجم الكاميرات وعلامات الاستفهام التي لاحقته بنهم الإعلام الغربي المعروف.

أمّا السيدة اللبنانية التي اخترعت طريقتها الخاصة في الإخراج، وصنعت نجومها بنفسها انطلاقاً من معطيات الطبقة المسحوقة في لبنان، فقد بدت عملاقة أكثر من غيرها، فهذا الابتكار المتفرِّد لم يميز نادين لبكي فقط كمخرجة سينمائية، بل بصم الفن ببصمة حقيقية اليوم على أن الفن بإمكانه أن يغير، حتى إن المثير في حكاية الفيلم ليس قصته فقط بل قصّة صناعته أيضاً.

وهي قصّة إنسانية بعيدة جداً عمّا ألفناه، إنّها أشبه بما قرأناه في قصص خرافية، أو ما شاهدناه في أفلام غربية حبكتها المخيلة باتقان لإبهار المتفرج.

القصة الحقيقية لنادين لبكي التي اختارت لها عنوان «كفرناحوم» هي قدرة الفن على تغيير واقع طفل شارع، وخادمة أثيوبية غير نظامية من واقع مأساوي إلى واقع له بريق النجوم. وهي قصّة سيدة شغوفة بعملها، لم تتوقف رؤيتها للفن عند عتبة تسلية الجمهور، لقد فاقت طموحات لبكي طموح أي مخرج عربي حمل قضية وناضل من أجلها، حين نزلت إلى قاع المدينة، وبحثت في أزقتها المظلمة المنسية، وأخذت عيناتها بعناية، وقامت بما يجب القيام به، إنها قصة امرأة ذكية لم تكتف بالتنظير بل تجاوزته لتطبيق نظريتها على الواقع، وها هي تتجاوز كل التوقعات في إبهارنا، وتثبت أن للفن مفعول السحر لتحسين أوضاع الإنسان.

أما الشق الذي أبدى امتعاضاً من نجاح فيلمها بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم، فلم يكن امتعاضه سوى تعبير عن مدى إيمانه بلغة السلاح لا بلغة الفن، وهو نابع من رؤية سياسية مشوهة لا علاقة لها بالمنظور الفني أو الثقافي الذي يجب أن تبنى عليه المواقف في هكذا حالات.

نادين لبكي صاحبة الحس الفني العالي، لم تأبه حتى بكل المُحبطات التي واجهتها، فقد مضت في مشوارها الفني غير آبهة بكل الطاقات السلبية التي جُنّدت ضدها، فأخلصت لعملها، واجتهدت لتقدم عملها الثالث ليحدث هزة إيجابية في المنطقة العربية كلها، وهي برسالتها للعالم توثق لإمكانية الخلاص من الوحشية التي تنتاب الإنسان في الظروف الصعبة.

لبكي التي ولدت قبل الحرب الأهلية اللبنانية بقليل، وعاشت تفاصيلها، ظلّت عواطفها وأفكارها سليمة من أية خدوش طائفية وملوثات سياسية، فقد انتصرت للفن، والفن بدوره انتصر لها، وهذا من شأنه أن ينجب مدرسة حقيقية عمادها الأساس إنسانية الفن لتغيير العالم.