أكد طلال بن سعد الدعجاني المستشار القانوني والباحث في حقوق الإنسان، أنه لا يزال النظام عاجزاً عن إيجاد الحلول المناسبة التي تكفل للمساهمين حقوقهم في كثير من المساهمات المعلّقة (لم تُصَفَّ)، مرجعاً الأسباب في غياب آليات للعقوبة المترتبة على تجاوز الضوابط المقررة للمساهمات المستقبلية ،فمع الأسى البالغ - والحديث للدعجاني- لم تفعّل آلية عدم إصدار تراخيص مساهمة عقارية حتى يتم الانتهاء من توزيع المساهمة السابقة حيث إن كثيراً من العقاريين يستحصل على العديد من التراخيص لمساهمات عقارية ويقوم بجمع أموال المساهمين ويشرع في مساهمة أخرى دون أن ينجز الأولى.

وذكر الدعجاني في حواره مع «الرياض» أن 20 في المائة من سكان المملكة يسيطرون على الثروة العقارية و 80 في المائة يمتلكون الأحلام بامتلاك المنازل، موجهاً أصابع الاتهام للعقاريين في بقاء الأحلام واستمرارها إلى اليوم، وأن مايحدث في سوق العقار من جشع من قبل العقاريين هو ما وراء الكارثة وسبب من أسباب أزمة الإسكان، مستغرباً في الوقت ذاته من ارتفاع أسعار الأراضي إلى أسعار خيالية رغم أن الأراضي لا يدفع عليها زكاة من قبلهم، والدولة لا تلزمهم بدفع رسوم عليها.

وأشار الدعجاني إلى أن المقولة العقارية الشهيرة لدى العقاريين : (الأراضي لا تأكل ولا تشرب) هو إقرار ضمني منهم باحتكار السلعة لعدة سنوات ثم يتم بيعها بأسعار مضاعفة ،لذلك كان هذا المثل من المبادئ التي يحترمها بعض هوامير العقار (والاحتكار) للأسف...فهنا حديث لم تنقصه الصراحة فإلى محصلة الحوار:

٭ «الرياض»: ما علاقة حقوق الإنسان بالعقار؟

  • كان من وصية النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قوله: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) والمتأمل في نصوص الشريعة يجدها قد كفلت للإنسان حقوقه كإنسان، والقوانين المستمدة من شريعتنا إنما وضعت لتحمي حقوق الإنسان وأبسط حق من حقوقه هو حريته في امتلاك منزل، خاصة وأن علماء الاجتماع اعتبروا أن الحاجات الأساسية: الأكل والشرب والسكن تأتي في الدرجة الأولى من قائمة الاحتياجات الإنسانية، والواقع الحالي يظهر أن 20 في المائة يسيطرون على الثروة العقارية و80 في المائة يمتلكون الأحلام بامتلاك المنازل .

٭ «الرياض»: مبدأ التجارة قائم على الربحية والعقاري يريد أن يربح كغيره من التجار فما الضير في ذلك؟

  • لا خلاف في أن الله أحل البيع وحرّم الربا لما فيه من مصالح العباد ودرء الشرور عنهم، وما يحدث في سوق العقار من جشع للأسف وراء الكارثة وسبب من أسباب أزمة الإسكان، فأين العقاري الذي (يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وأين العقاري الذي يطبق المبدأ النبوي في أنه (لا ضرر ولا ضرار)، إذ واقع المساهمات العقارية أن (س) و(ص) من هوامير العقار يقومون بشراء جزء من أرض بيضاء، ثم يبدأون بوضع أعمدة الإنارة وسفلتة الشوارع بتكلفة إجمالية للمشروع 200 ريال تقريبية للمتر، ثم يبدأ البيع بأسعار مضاعفة جداً لا تخلو من الغبن والغرر لتبدأ دورة عقارية تخصصية ثانية (دورة سمك القرش) هذه المرة ليشتري الأرض عقاريون ومقاولون ثم يبنونها ويبيعونها بالتقسيط بفوائد مضاعفة جداً .

مثلاً المتر في حي الغدير كان ب 50 ريالاً والآن ب 900 ريال خلال عدة سنوات كم مرة تضاعف السعر، وما المعالم الكبيرة التي غيرّت معالم الحي ليصبح بهذا السعر؟ لا شيء!!

ويجدر بنا أن نشير إلى المقولة العقارية الشهيرة لدى العقاريين: (الأراضي لا تأكل ولا تشرب) وهذا إقرار ضمني باحتكار السلعة لعدة سنوات ثم يتم بيعها بأسعار مضاعفة، فهم لا يدفعون عليها زكاة لأنها ليست من عروض التجارة في نظرهم!! والدولة لا تلزمهم بدفع رسوم عليها لذلك كان هذا المثل من المبادئ التي يحترمها بعض هوامير العقار (والاحتكار) للأسف.

٭ «الرياض»: الوحدات الصغيرة التي تطرحها الشركات العقارية كحل إسكاني .. ألا تحل جزءاً من المشكلة؟

  • الواقع الحالي يثبت أن المواطن مذبوح من قبل الشركات على الطريقة الإسلامية بما يسمى (التورق المبارك)، فهو أسير لشركات التقسيط التي حرمته من حريته، إذ التكلفة البسيطة للوحدات الصغيرة التي لا تتجاوز 300 متر لا تزيد بحال من الأحوال على ال 300 ألف ريال في حين أنها تباع نقداً بمليون ريال وبالتقسيط بمليون وثلاثمائة ألف ريال أي القيمة مضاعفة أربع مرات!!.

كيف يستطيع من دخله الشهري 6 آلاف ريال أن يمتلك مثل هذا المنزل وكم سنة سيستغرق دينه لو وقع فريسة لهؤلاء !؟!

٭ «الرياض»: كأنك تلمح إلى وضع تسعيرة محددة للأراضي؟

  • بالضبط أنا من المطالبين بشدة بعملية التسعير المحدد للأراضي حيث إنها تجاوزت سعر المثل بشكل لافت للنظر، والمتأمل يجد أن ارتفاع الأسعار ليس بسبب العرض والطلب فالمعروض الآن آلاف المخططات والطلبات تقف عاجزة أن تحقق ذلك، والسبب هو جشع بعض العقاريين كما أسلفنا فمن هو العقاري الذي (يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وما يحدث من ارتفاع للأسعار أضر بالكثيرين، وجعلهم يقفون عاجزين عن أبسط حقوقهم، في الوقت الذي يسيطر البعض على هذه السلعة، وعلى الرغم من المساحة الهائلة للمملكة لدينا عجز يزيد على أربعة ملايين وحدة سكنية .

فإذا حقق التسعير العدل بين الناس فهو واجب كما جاء في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (ومن ذلك إذا امتنع التجار عن البيع بثمن المثل فإنهم يكرهون على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب، وإذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير فإنه يسعّر عليهم بالعدل لا وكس ولا شطط، وما كانت الحاجة إليه ماسة، من السلع والصناعات كالخبز والفلاحة والحياكة والبناء ونحو ذلك وما حصر بيعه في أشخاص معينين يجب عليهم التسعير لأنهم مظنة الظلم) ويقول شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في ذلك: (إذا كان سبب التسعير هو الغلاء الناتج عن قلة الإنتاج أو كثرة الطلب فهذا من فعل الله وفي هذه الحالة لا يجوز التسعير، أما إن كان الغلاء بسبب الاحتكار كاتفاق تجار على تقديم ما يحتاج الناس بأكثر من قيمته ففي هذه الحالة يجب التسعير عليهم وإلزامهم بالبيع بفائدة معقولة تنفعهم ولا تضر الناس وهذا هو الصواب) .

والمتأمل في ارتفاع أسعار العقار يجد أن السبب هو عدم اكتفاء بعض العقاريين بنسب ربح معقولة تجعل المواطن قادراً على امتلاك منزل يليق به!!

٭ «الرياض»: أكثر من 10 برامج بنكية للتمويل العقاري، في المملكة بخيارات متعددة .. لماذا لم تحل المشكلة؟

  • يؤسفني أن أقول وبصراحة إن البنوك لم تساعد في حل مشكلة الإسكان، بل قامت بما هو أسوأ من ذلك وهو استغلال حاجة المواطن إلى السكن وقيدتهم بعقود التمويل العقاري طويل الأجل (حكم مؤبد) 25 عاماً بنسبة فائدة مضاعفة جداً، وبتضامن بنكي غريب لم تشهده حتى الدول الرأسمالية، فها هو (سيتي بنك) في الولايات المتحدة يقدم نسبة ثلاثة في المائة على التمويل العقاري علماً بأنه يدفع نسبة واحد في المائة ضرائب للدولة ويدفع فوائد بنكية لجميع العملاء إلا (من شاء الله)، في حين أن بنوكنا للأسف لا تنقص النسبة عن سبعة في المائة في تضامن بنكي غريب كما أسلفت، فهل هذا هو حل الإسكان من وجهة النظر المصرفية!!

٭ «الرياض»: وزارة العدل كان لها جهد رائع في إعداد الأنظمة العقارية وغيرها .. ألم تكفل هذه القوانين الجانب الإنساني الذي تتحدث عنه؟

  • من وجهة نظري أن الأنظمة إنما جاءت لتحمي الحقوق وترسي الواجبات، ولكن النظام أيضاً له بعد إنساني فمخالف أنظمة المرور يعاقب بغرامة مالية في حين أنه قد يكون ناسياً أو مسعفاً لمريض، ألا يجب هنا مراعاة مثل هذه الحالات، ومخالف أنظمة العقار في بناء غرفة يعاقب بإزالتها على نفقته، فكيف بالذي (ينهب) أموال الناس ويأكلها بالباطل، ثم يماطل في تصفية المساهمة وإعادة رؤوس الأموال، أليست مثل هذه المخالفات أشنع وضررها متعد والمساواة بينهما ظلم بيّن.

٭ «الرياض»: إذاً أين المشكلة .. هل هي في الجهة المعدة للقانون أم في المواطن الذي لم يفهم القانون؟

  • قد تكون القواسم مشتركة فبعض الدول المجاورة لديها أكثر من خمسة آلاف قانون لكنها مع الأسف لم تكفل للناس حقوقهم، حيث إن هناك قصوراً واضحاً في آليات التنفيذ، والتي لا تكون رادعاً يتناسب مع عظم المخالفة فمثلاً كان من المفترض أن يصدر النظام الخاص بالمساهمات العقارية بأثر رجعي، فهنالك كما تعلم كثير من المساهمات لا تزال معلّقة (لم تُصَفَّ) ولا يزال النظام عاجزاً عن إيجاد الحلول المناسبة التي تكفل للمساهمين حقوقهم، ولا توجد آليات للعقوبة المترتبة على تجاوز الضوابط المقررة للمساهمات المستقبلية، فمع الأسى البالغ لم تفعّل آلية عدم إصدار تراخيص مساهمة عقارية حتى يتم الانتهاء من توزيع المساهمة السابقة، لأن كثيراً من العقاريين يحصل على العديد من التراخيص لمساهمات عقارية ويقوم بجمع أموال المساهمين ويشرع في مساهمة أخرى دون أن ينجز الأولى.

فهاهي رسالة جوال تقتحم عليك خصوصيتك وتدعوك للمساهمة في مخطط ما بنسبة ربح عالية جداً ولم تكترث للضوابط، والمواطن مطلوب منه ايضاً أن يكون أكثر وعياً بحيل (بعض العقاريين) وإعلانات المساهمات الوهمية .

٭ «الرياض»: لو كنت تملك الصلاحيات لحل أزمة السكنى فما الذي كنت ستتخذه؟

  • الحلول ليست سحرية ولا أملك عصا موسى لتحقيقها ولكنها اجتهادات ودراسات ذابت فيها العيون وضاعت على أحرفها الليالي والأيام، وأطالب بهيئة عليا لضبط سوق العقار تقوم بدراسة وتقييم السوق العقاري من الناحية (الشرعية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية)، والتسعيرة المحددة (لا وَكَسَ ولا شَطَطْ) كما يقول ابن تيمية .

والاستفادة من خبرات المهندسين المتميزين في الدول الأخرى، وذلك في الجوانب الفنية من حيث الاستغلال الأمثل للمساحات الصغيرة والإبداعات الهندسية التي تلغي الارتدادات المعمول بها حالياً .

وكما هو معروف أن ثقافة الأسرة الممتدة لدينا أخذت في الذوبان في عصرها الحالي وأصبحت الاستقلالية الأسرية للعوائل الصغيرة شكلاً لازماً في مجتمعنا اليوم، لذا لا بد من توعية المواطنين من خلال دعم فكرة الوحدات الصغيرة المنجزة بشكل حرفي أسوة بالدول العربية المجاورة (150 متر) على طابقين بحيث تستغل المساحات بشكل كامل .

كما أن دخول المؤسسات الحكومية (المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد) في دعم مسيرة التنمية والاستثمار في مجال بناء الوحدات السكنية وبيعها بالتقسيط (المريح والمنصف) بنسب معقولة تضمن لهم الربح المستمر والسعر العادل للمستفيد إضافة لضبط نظام التمويل العقاري لدى البنوك وشركات التقسيط، فهم الذين يدعمون أزمة الإسكان بدلاً من حلّها من أجل مصالحهم الشخصية .

وأخيراً إلزام أصحاب المخططات السكنية داخل المدينة وعلى أطرافها التي لم تعرض للبيع بدفع رسوم مقابل عدم استغلالها، وحرمان المستفيدين منها والتسبب بالتالي في أزمة سكانية كبيرة .