مما لا شك فيه أن منطقة الخليج مستهدفة من قبل قوى ومحاور متعددة، وذلك للقضاء على وحدتها وإطفاء جذوة التقدم والتنمية فيها، ومنعها من أن تكون قوة فاعلة خصوصا أنها مدعومة بثروات بترولية ومعدنية واحتياطيات غازية كبيرة ناهيك عن أنها مؤهلة أكثر من غيرها للاستفادة من الطاقة الشمسية، ولا شك أن ذلك الاستهداف يعتمد على التدرج والطبخ على نار هادئة قوامها تعدد الجبهات وضرب الوحدة الوطنية من خلال التشكيك والشائعات، وقبل ذلك ضرب العمق الاستراتيجي لها المتمثل في دول الجوار وفي نفس الوقت اتباع سياسة التطمين وتبادل الأدوار والمد والجزر والتوسط إذا لزم الأمر.

إن استهداف المنطقة خطط له منذ زمن مبكر وبموجب تلك الخطط تم إيصال كل من ملالي طهران وحافظ الأسد إلى سدة الحكم لضمان زرع الطائفية والاستقطاب بين شعوب المنطقة، وكان ذلك مصحوبا بغض الطرف عن التسلح والتدخل الإيراني في العراق وسورية واليمن، وكل ذلك تم التنبؤ به في رواية (Crash of 79) (1984) التي تحدثت عن الأطماع الإيرانية وسعيها الحثيث لامتلاك سلاح نووي.

ولم يتوقف الأمر على ذلك بل تم إيصال نظام الحمدين في قطر إلى سدة الحكم هناك لضرب مجلس التعاون الخليجي، ولكي تصبح قطر رأس حربة للتمدد الفارسي، ناهيك عن استخدام قناة الجزيرة للتحريض والتشويه والتشكيك ليس هذا وحسب، بل إن الأموال القطرية كانت عاملا فاعلا فيما شهدته وتشهده المنطقة العربية من خراب ودمار وإرهاب، وذلك على حساب مستقبل الشعب القطري الحبيب ورغما عنه.

ولا شك أن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين محمد بن سلمان -حفظهما الله- يدركان ذلك ويدركان أن تحالف المصالح مع الدول الكبرى يعتبر أهم المفاتيح للخروج من ذلك المأزق، ولهذا جاءت زيارة ولي العهد إلى أميركا في هذا الإطار لأنها تمهد الطريق لجذب استثمارات أميركية ضخمة إلى المملكة وهذه الاستثمارات عند قيامها سوف تعزز التحالف الاستراتيجي بين البلدين من جديد، وذلك بعد أفول حقبة البترول التي كانت من أهم العوامل التي تؤرق أميركا، أما بعد اكتشاف البترول الصخري هناك ووصول إنتاج أميركا إلى مستويات قياسية منه، فإن تحالف المصالح معها لابد أن يتنوع ويأخذ منحنى جديدا ويعتمد على أمور جديدة وجذابة، فتحالفات المصالح في الأمس واليوم وغدا تعتبر الفيصل في استمرارها خصوصا مع وجود قوى منافسة على استعداد لأن تكون بديلا.

كما أن ذلك يدخل ضمن سياسة الانحناء أمام العاصفة حتى تمر بسلام، ولعل مقابلة سمو ولي العهد مع صحيفة ذا اتلانتك وضعت النقاط على الحروف وبين إن المصالح المشتركة هي السبيل الأمثل للعمل كما بين أبعاد وأهداف محور الشر الذي تقوده إيران في مقابل محور الخير الذي تقوده المملكة.

إن حراك ولي العهد -حفظه الله- بدون أدنى شك يسعى إلى تحقيق عدة محاور أهمها جذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات والتركيز على توطين التقنية في سبيل تمهيد الميدان لاقتصاد المعرفة الذي أصبح مصدر دخل من لا مصدر دخل له.. وهذا ما يضمن التحول من الرؤية إلى التنفيذ بسلاسة ودون معوقات.