ما زالت أغلب الدول المنتجة للنفط تعتمد على عائداته بصورة رئيسية كمصدر أول للدخل على الرغم من وضوح الرؤية إزاء كل الاحتمالات والمخاطر المرتبطة في الاعتماد عليه خصوصا ما يتعلق بإمكانية النضوب التي أصبحت ثانوية مقارنة باحتمالية الاستغناء عنه كوقود في ضوء التقدم الكبير للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتمثلة خصوصاً في الطاقة الكهربائية والشمسية وغيرها مما يتم السعي إلى تطويره على قدم وساق وهذا يشهد له تصنيع واستخدام السيارات الكهربائية بصورة فعلية واتجاه أغلب الدول إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح اللتين بدأت المملكة في الاتجاه إليهما بصورة حثيثة وكل ذلك بفضل تقدم المعرفة التي أخذت على عاتقها تطوير التقنيات المختلفة حتى أصبح المستحيل واقعا ملموسا يدعمه العمل الدائب في مجال البحث والتطوير من أجل خفض التكلفة وزيادة الفعالية وحل كل المشاكل المرتبطة بها مثل احتياطات الأمن والسلامة وغيرها حتى أصبح استخدام الطاقة النووية أكثر أمناً وسلامة من ذي قبل مما شجع بعض الدول العودة إليها أو العمل على الاستفادة منها .

نعم البترول أثمن من أن يحرق كوقود فهو كنز تعمل المعرفة على تطوير تقنيات جديدة تعمل على سبر أغواره وتحويله إلى منتجات أكثر فائدة من استخدامه كوقود وذلك من خلال تحويله إلى منتجات مفيدة تلبي كافة احتياجات الصناعات الأخرى وبالتالي فإن الأخذ بهذا الاتجاه جنباً إلى جنب مع العمل على الحد من الاعتماد على تصديره بصورته الخام يمكن أن يكون الباب الأول لتعدد مصادر الدخل لدينا ناهيك عن العمل على توطين الصناعات المعرفية التي لا تحتاج إلى رأس مال كبير ولا قوى بشرية كثيرة بقدر ما تحتاج إلى قوى بشرية عالية التأهيل ذات قدرة على الإبداع والاختراع والبحث والتطوير وذلك بدلًا من توطين الصناعات الثقيلة التي بدأت الدول المتقدمة التخلص أو الحد منها لما يكتنفها من تكاليف إنتاج ونقل وتسويق ومواد خام وإضرار بالبيئة ناهيك عن ضرورة توفر قوى بشرية كافية للقيام بها.

نعم أن استخدام عوائد النفط في إيجاد مصادر دخل بديلة ومتجددة تعتمد على المعرفة هي السبيل الأقصر للوصول إلى الهدف خصوصاً أن دولاً عديدة ذات موارد اقتصادية ريعية محدودة سلكت ذلك الطريق ونجحت فيه نجاحاً باهراً حتى أصبحت ذات اقتصادات جبارة وفي مقدمة ذلك كل من اليابان وتايوان وسنغافورة وإسرائيل وغيرها كثير . لذا فإن توطين الصناعات المعرفية أولى من توطين الصناعات الثقيلة أو الاتجاه إلى مشروعات مكلفة قد لا تحقق الهدف المنشود منها لأن نجاحها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمتغيرات التي تسود المنطقة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن جُل الصناعات المعرفية حديثة نسبياً فإن أغلب النظريات الاقتصادية التي تتعلق بصنع الثروة لا زالت حبيسة الاقتصاد الريعي وهذا يعني وجود فجوة في معايير صنع الثروة من خلال اقتصاد المعرفة الذي يفاجئ العالم بمنتج جديد غير متوقع مع مطلع شمس كل يوم جديد مصحوباً بعوائد مجزية بكل المقاييس ..