عجلة الزمن تسير، وكل شيء يتطور ويتغير، ومن آثر السكون والخمول تجاوزه الزمن وتعداه، لأن العصر عصر السرعة كما يقال ولا أدل على قولي من كثرة انتشار محلات الوجبات السريعة، والغسيل المستعجل، والصحف اليومية، ومشاريع الحكومة الإلكترونية، وخدمات شبكة الانترنت، بل وحتى الفتاوى السريعة عبر الفضائيات. هذه أمثلة تبرهن أن القافلة تسير بسرعة، ربما تتجاوز الحد القانوني.

ومع هذا فلا تزال بعض الدوائر الحكومية، ومؤسسات العمل الخيري والتطوعي ذت النفع العام وغيرهما تراوح مكانها، وتصارع الزمن كي تبقي أطول فترة ممكنة، لكنها يقيناً إن لم تصلح حالها وتعدل مسارها وتأخذ بأسباب التطوير والتحديث فإن الزمن سيتجاوزها شاءت أم أبت.

وما أريد أن أعنيه بالحديث هو عمل الخاطبة أو مهنة الخاطبات في مجتمعنا السعودي.

وللدخول في الموضوع أورد الأسئلة الآتية:

هل عدد الخاطبات أو حتى الخاطبين يتناسب مع حجم الطلب والحاجة؟

هل التعرف على أولئك بالأمر اليسير، وكل شخص يريد البحث بإمكانه أن يصل إليهم بسهولة؟

هل هناك تنسيق بين الخاطبات أنفسهن؟

هل الأجرة التي يطلبنها مقبولة وفي حدود المعقول؟

هل هن على درجة من الأمانة والمصداقية؟ خاصة أن عملهن يتطلب درجة من المصداقية والحساسية، لما يطلعن عليه من أسرار البيوت؟

هل يندرج عمل الخاطبين والخاطبات تحت جهة معينة اشرافية أو رقابية؟

هذا بعض من كل، من الأسئلة التي تبرهن حساسية هذه المهنة ذات الطابع الخاص.

وقد كان الناس في الماضي القريب لا يحتاجون للخاطبة أصل، لأن بعضهم يعرف بعضاً بل ويعلم الكثير من خصوصيات الآخر لما يكون بينهم من الاجتماعات العائلية والمناسبات والزيارات اليومية أو شبهها.

أما اليوم فالجار لا يعرف جاره فكيف يعرف خصوصياته؟ والروابط الاجتماعية والقبلية تقلصت الى حد كبير خاصة في المجتمعات المدنية والمدن الحضرية وبالمقابل فإن هناك ازديادا كبيرا في عدد الفتيان والفتيات والمملكة تعتبر من الدول التي تعد نسبة النمو السكاني فيها مرتفعة جداً، وتشكل نسبة الشباب فيها الثلثين تقريباً.

والاحصاءات عن العنوسة وحالات الطلاق لا أقول مخيفة لكنها مرتفعة وفي ازدياد، وللأسف أنها احصاءات غير دقيقة لكنها تتراوح ما بين المليون ونصف المليون الى المليوني عانس.

وهذا التفاوت ربما يرجع الى الاختلاف في تحديد سن العنوسة هل هو بعد الثلاثين أو بعد الخامسة والثلاثين ولعل الأخير هو الأقرب للإتصاف بهذا الوصف.

وللأسف فحين غاب الخيار الأسلم أو بقي يراوح مكانه على استحياء ظهر على أرض الواقع بدائل تتبنى التوفيق بين الزوجين وهي في مجملها غير مهيأة ولا مؤهلة، فمن يتصفح مواقع الإنترنت المعنية بهذا الأمر يجد مواقع للتسويق لتلك التجارة الرابحة مادياً لكنها في غالبها خاسرة على أرض الواقع - أعني أنها فاشلة في ديمومة التوافق بين الزوجين الذي هو الهدف والغاية.

بل ربما تفشل في مراحل الخطوبة، أو بعد العقد حين ينكشف الغبار فيدري حينها عن صيده أهو ظبي أم حمار. على حد قول الشاعر:

ستعلم حين ينكشف الغبار

أظبي تحتك أم حمار

وقد أخبرني أحد الاخوة ممن يمارس تلك المهنة بإمكانات متواضعة عبر مكتب صغير. أنه قام بإصدار مجلة بهذا الاسم أو قريب منه وطبع منها أعدادا كبيرة، وخلال فترة وجيزة نفذت من الأسواق وانهالت عليه الاتصالات من أنحاء المملكة وخارجها.

إن نسبة ليست قليلة من الخاطبات لا يهمن بالدرجة الأولى سوى الكسب المادي السريع بغض النظر عن نتائج الزواج أو ما يترتب عليه.

ولهذا فقد تغير نشاط عدد كبير منهن حين وجدن الرغبة من الخطاب تتجه نحو الزواجات المستعجلة كزواج المسيار والفرند والمنتهي بالطلاق وما سواها مما يجمعها مصطلح (زيجات الجبناء).

وحسب ما نقلته إحدى الصحف السعودية عن مجموعة من الخاطبات في محافظة جدة فأكدن انتشار زواج المسيار بين بعض السيدات اللاتي يتكرر زواجهن أكثر من مرة في العام بأكثر من رجل بمجرد انقضاء فترة عدتهن.

وتقول الصحيفة نقلاً عن بعض الخاطبات قولها: إن جدة تشهد إقبالاً على طلبات من هذا النوع من الزواج تليها الرياض بالقصيم وقدر عدد الطلبات التي تستقبلها الخاطبات ما بين (7 - 10) طلبات يومياً للخاطبة الواحدة أي ما يقارب 70٪ من أعداد الراغبين في الزواج معظمهم تتراوح أعمارهم ما بين 29 - 45 عاماً من المتزوجين وغير المتزوجين بمعدلات متساوية».

هذه الإحصائية والمثال السابق يشعر أن ثمت مشكلة بل ظاهرة ذات أبعاد خطيرة على المستوى الاجتماعي والأسري.

بل على الأمن الوطني، لأن هذا النوع من الزواج من شأنه أن يوجد أطفالا بلا مأوى، وزوجات بلا ازواج!.

ومن هنا فأناشد عبر هذا المنبر الإعلامي المسؤولين في الدولة وكل غيور بوضع النقاط على الحروف، وتكليف لجنة على مستوى عال، أو عقد مؤتمر تقدم فيه أوراق عمل من ذوي الاختصاص والتجارب ومن ثم الخروج بقرارات صائبة وتوصيات ناجعة.

كما اقترح على وزارة الشؤون الاجتماعية ممثلة في معالي الوزير أن ينشأ تحت إشرافها بيوت للخطبة، أو مؤسسات خيرية متخصصة تتولى التنسيق والتوفيق ومن ثم التعريف والتقريب بين الخاطبين، وفق ما يتطلبه ويشترطه كل شخص من مواصفات في شريكه، مع مراعاة الضوابط الشرعية والأعراف والتقاليد المرعية خاصة المناسب منها.

كما أن بالإمكان تطوير وتوسيع دائرة اختصاص المشاريع القائمة الداعمة للزواج مادياً كمشروع ابن باز لمساعدة الشباب على الزواج ليتبنى التقريب والتوفيق ضمن اختصاصه ويكون لتلك المؤسسات فروع في كل منطقة من مناطق المملكة بل وفي كل محافظة.

وإني لأرجو لهذا المشروع حين يرى النور - بإذن الله - من النتائج الإيجابية ما يسعد كل فتى وفتاة، وكل راغب في الزواج.

ويتيح لهم الطريق السليم النظيف، ويقضي على كل ما يترتب على تأخير الزواج أو فشله من أمور لا تخفى خاصة مع كثرة المثيرات المهيجة للغريزة والتي تحرك كوامن الشهوة لدى الجنسين بطرق مباشرة وغير مباشرة للوقوع في الحرام وصدق الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم في صحيحه.

  • عضو مجلس الشورى