تسمع من يقول إن فلاناً كان يمكن أن يكون من أعظم اللاعبين في المملكة لكن السهر والتدخين والسفر أضاعوه.

في الأيام الخوالي كنت أسمع في جلسات المثقفين من يقول إن فلاناً كان مشروعاً روائياً لكنه كسول، وتسمع آخر يؤيد هذا الموهوب ولكنه يرى أن ظروف الرقابة حبست موهبته.

الإنسان لا يتشكل من قدرات ذاتية محددة فقط. هو الظروف المحيطة به والبلد الذي نشأ فيه والدين الذي يؤمن به والعادات التي يمارسها والبيت الذي تربى فيه ومستواه الاقتصادي والاجتماعي إلى ما لا نهاية.

عندما يأتي من يقول إن عبدالله كان يمكن أن يكون كاتباً عظيماً أو مهندساً عظيماً لولا الرقابة. هذا القول ينتزع من عبدالله جزءاً أساسياً من شخصيته. عبدالله هو ابن انتماءاته السياسية والاجتماعية والدينية. هذه الرقابة ليست حكراً عليه وإنما تطال كل سعودي آخر. عندما يتحدث متعالياً بعبدالله عن محيطه صار يتحدث عن شخص آخر في أميركا أو في اليونان.

اللاعب الذي يقضي ليله في السهر وأيامه في السفر دون أن يجد وازعاً من داخله يضبطه عندئذ يكون هذا التسيب جزءاً من شخصيته. الموهبة لا تعني أن تجيد الركض ولكن أيضاً هي قدرتك على السيطرة على شهواتك وإدارة سمعتك وموهبتك وعلاقاتك وإصرارك أيضاً. إذا كنت لا تملك هذه القدرات فأنت لا تملك موهبة. كأنك تقول لو أن فلاناً أطول شوي كان صار أفضل لاعب سلة. هذه الأعذار كلام افتراضي. لا يمكن أن أعرف أن فلاناً لاعب عظيم إلا إذا صار لاعباً عظيماً.

ألف (موهوب) بدؤوا مع محمد عبده. تساقطوا واحداً تلو الآخر. سمعنا قصص تساقطهم. واحد (تصدى) له بعض المسؤولين في الإذاعة وأعاقوه والثاني لم يعطَ فرصة حسبي الله على من كان السبب والثالث منعه أهله من الغناء وهكذا. هذا كلام صحيح ولكن من لم يقاوم العقبات. لا يمكن أن نسميه موهوباً.

الإنسان هو ما بلغه حتى الساعة. ما انتجه حتى الساعة هو كل ما يستطيع إنتاجه. الشيء الذي يبقى في صالحه أن الفرص ما زالت أمامه إلى أن يغلق الموت كل ملفاته.

مسألة الموهبة مسألة ميتافيزيقية لا نعرف عنها شيئاً حتى تتحقق ونجني ثمارها. من الصعب أن نقول إن فلاناً كان يمكن أن يكون أعظم لاعب. في حال أن التمست عذراً لهذا اللاعب أو ذاك الكاتب أو المهندس فأنت في الواقع تبحث عن عذر لفاشلي البشرية جمعاء.

المثابرة والإصرار قصر على أشخاص والأعذار متاحة للجميع.