في قول الشاعر الجاهلي:

(بنونا بنو أبنائنا، و بناتُنا

بنوهُنّ أبناءُ الرجال الأباعد!)

دليل على أنّ إقصاء المرأة عند العرب قديم، واستمرّ عند كثيرين إلى اليوم، وأقرب مثال أنّ (شجرة العائلة) التي ساد تدوينها أخيراً، أكثرها يقتصر على الرجال وتُقصى نساء العائلة، كأنهن معدومات! وحجة من ناقشتهم في ذلك أنّ أبناء المرأة يُنسبون لآبائهم ..(كأنها مقطوعة النسل فصارت مقطوعة الشجرة) وهي حجة واهية، لأنهم يُثبتون في (شجرة العائلة) من مات طفلاً، ومن لم يتزوج، ومن لم يُنجبْ لمجرد أنه رجل..

وتبع ذلك الإقصاء أمورٌ كثيرة، بعضها خطيرة، كحرمانها من ميراثها كاملاً عند البعض، أو تنقيصه، وتسفيه آرائها وتصرفاتها عند بعض الرجال، وتفضيل الأبناء على البنات في كثير من الأحيان .. وكل تلك التصرفات لا أساس لها من عقلٍ أو دين، بل العكس هو الصحيح، فالإسلام الحنيف يوجب إبقاء نسب المرأة لأبيها بعد زواجها، والغرب هو الذي ينسب المرأة لزوجها.

لعل السبب الحقيقي في إسقاط المرأة من (شجرة العائلة) تقليد قديم سقيم يتحرّج من ذكر أسماء الأمهات والبنات والأخوات، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر كثيراً أسماء زوجاته وبناته في أحاديث صحيحة، وكان يُردّد اسم خديجة ويقول (إنّي أُحبُّ حبيبها) حتى غارت أُمُّنا عائشة من كثرة ذكره اسم (خديجة) -رضي الله عنهما-.

بيت الشعر من شواهد النحو في تقديم الخبر على المبتدأ بقرينة، والإعراب لتوضيح معاني الكلام لا لتقرير صحّته، فإن أحفاد الرجل من بناته كأحفادة من أبنائه، فهو جدّ الجميع، وفي القرآن الكريم ذكر الله -جلّ وعزّ- أنّ من نسل ابراهيم عيسى عليه السلام، فقال (ومن ذريته داود وسليمان .. ) إلى قوله (وعيسى) الآية 85 سورة الأنعام.

مع أن عيسى حفيد إبراهيم لأمه، وُلِد بلا أب قال عز وجل : ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) الآية 171 سورة النساء.

ويوجد أُسر واعية فاضلة تُضيف أسماء نسائها كاملة في (شجرة العائلة) ولكنها لاتزال أقليّة .

إن المرأة تعتز بعائلتها وأهلها، وهي - في الغالب- أكثر بِرّاً وحناناً ورحمة وإخلاصاً من كثير من الأبناء، فلماذا هذا الإقصاء الذي يُخالف الواقع ويكسر قلب المرأة؟