يعد موقع الربذة في منطقة المدينة المنورة، من المواقع الأثرية المهمة التي تم العثور فيها على معالم ومواد أثرية تبرز تطور الحضارة الإسلامية في مختلف مراحلها، وإذا كانت الربذة قد انتهت كمدينة إسلامية فإن آثارها أَمدّت الباحثين بمعلومات وفيرة عن الحضارة الإسلامية المبكرة في قلب الجزيرة العربية، كما أن التراث المعماري للربذة يوضح صورة جلية نستدل منها طبيعة الحضارة الإسلامية بمفهومها الشامل في العصر الإسلامي المبكر في الجزيرة العربية عامة والحجاز ووسط الجزيرة.

وكانت الربذة من الأماكن المحببة لنفوس الأمراء والخلفاء من بني العباس للاستراحة والإقامة فيها، ومن هؤلاء أبي جعفر المنصور، والمهدي، وهارون الرشيد. وقد أجرى أولئك الكثير من الإصلاحات والمشروعات الخيرية على طرق الحج بين العراق والحرمين الشريفين، وحذا حذوهم في تقديم الأعمال الخيرية، الأمراء والوزراء والقادة والتجار، وكان لسيدات البلاط العباسي أعمال مماثلة، وفي مقدمتهن السيدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي بذلت العطاء وأنفقت الأموال في سبيل بناء المنازل والدور، وحفر الآبار وتشييد البرك على امتداد طريق الحج، وبذلك عرف الطريق باسم "درب زبيدة "، ولا تزال آثار عيون زبيدة، بخرزاتها وقنواتها المحفورة في باطن الأرض أو المبنية على حواف الجبال، باقية حتى اليوم.

وفي تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الإسلام كان طريق الحج (درب زبيدة) ومحطاته ومنازله واستراحاته يشهد حركة بشرية نشطة لا تنقطع، وتزداد في مواسم الحج، وشكل الطريق شرياناً حيوياً ومورداً اقتصادياً للبادية والحاضرة والمستقرين في البلدات والقرى البعيدة والقريبة، فقد كانوا يجلبون مصنوعاتهم اليدوية ومنتجاتهم الزراعية والأعلاف والخيول والدواب لمقايضتها أو بيعها للحجاج والتجار على حد سواء، وكانت الربذة واحدة من أهم البلدات على طريق الحج خاصة وأن حِمى الربذة بعد عهد الخليفة المهدي العباسي 158- 169 هـ (775-785م)، لم يعد مقتصراً على إبل وخيل الدولة الإسلامية، بل أصبح مشاعاً بين الناس لرعي دوابهم.

ومهدت الدراسات الأولية عن موقع الربذة للبدء في أعمال البحث والتنقيب والكشف عن حضارة هذه المدينة، وقد بدأ الموسم الأول للحفريات الأثرية خلال الفترة من 7 جمادى الثانية إلى 6 رجب 1399 هـ الموافق 3 مايو 1979 م ومن خلال النصوص التاريخية والجغرافية قدم الموقع الأثري دلائل مهمة عن الحضارة الإسلامية من ناحية التخطيط المعماري والمنشآت الهندسية والمرافق المنزلية والصناعات الفخارية والخزفية.