ساعات المحامين وأجور ومصاريف الجلسات القضائية في الغرب تجعل حتى منادي الجلسات يفرج بالـ.. أوفر تايم.

عندي أن المحامين في الغرب مثل حفاري القبور ومُجهزي الجنائز (الحانوتية) يعيشون على مصائب ومآسي الآخرين، ولم يكونوا كذلك قبل قرن من الزمان بل كانوا رمز العدالة والإنصاف.

ويبدو أن العدوى امتدت إلى شرقنا العربي فمنذ أن بدأت كلمات التسوية، التراضي، الوديّة، وغيرها مما يوحي بأن النزاهة والشرف القانوني وعرف الممارسة لا مكان له في التعامل اليومي في شرقنا. فالمهم أن تصل الأطراف إلى تسوية، ليأخذ كل ذي باطل باطله ويُدفن الحق العام أو يوارى التراب دون حتى الاسترحام عليه.

ومن الصعب الخوض في نزاع لم يقل القضاء فيها كلمته، وهي ما زالت معروضة عليه، قصدي القول إن كثرة التسويات بواسطة محامين خارج القضاء أمر غير سويّ. مع أن المحامي يستفيد من التسوية، ولم يكن استعمل خبرته القانونية بقدر ما وظف قدرته الكلامية للوصل إلى تراض وقبض الثمن.

عندنا مثل دارج في عامية نجد يقول: فلان مثل البس .. يفرح بعمى أهله. وفاجعة العمى لا تهم البس (القط) ولا تعني له شيئاً، ولا يريد أزود من إشباع بطنه.

والكثير يعتبر التسويات العاجلة والمرتجلة تقاعساً ونقصاً في تلبية متطلبات العدالة، لأن التسوية تكاد تكون البديل الجاهز لإحقاق الحق ومتابعة المخالف والمتلاعب و"الملوسن" . أو أننا سنتجه إلى بدائل صناعية لضمائرنا، بعد أن كنا الدعاة الأوائل -ولا نزال إن شاء الله- لوجوب إحقاق الحق وليّ يد المتلاعب.

والمحامون ووكلاء القضايا هم أحرص على الإسهام في تحسين صورة تعاملنا. ولا أنسى أن أمتدح النمط الأخير في تمكين صاحب من الحصول على حقه من المتلاعب، من محاكم التنفيذ السارية حالياً. فكل من تلكّأ وحاول إنكار الأحكام القضائية يُعلن اسمه ويُعطى الفرصة قبل أن تعمد المحكمة بالأمر بوقف الخدمات عن اسمه أو شركته. معايير النزاهة ازدادت بعد تطبيق الإعلان وقطع الخدمات.