يظل الباحث المتخصص في تاريخ نجد يواجه فراغات كثيرة لا يتصورها القارئ غير المتخصص أو حتى المثقف المشغوف بتاريخ نجد. ثم يواجه الباحث أيضاً كتاباً واخباريين يقومون بملء تلك الفراغات بأخبار أو أقوال لا تستند إلى الواقع المعروف عن تاريخ نجد أو سكان نجد. من ذلك مثلاً أن تجد سكان نجد في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، كما تصورهم المصادر الإسلامية المختلفة، أكثر اشراقاً وانفتاحاً وقبولاً للآخرين مقارنة بأسلافهم في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. بل انك تجد نجداً في المصادر المتأخرة وفي الأمس القريب، أي قبل دخول الملك عبدالعزيز الرياض، وكأنها منطقة لا تعود للقرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي. لمَ كل هذا؟ هل المناطق والأمكنة تقف عند نقطة زمنية لا تبارحها؟

ولعل ما حدث لنجد في تاريخها القديم شيء من هذا. ففي عصر سيطرة الأخيضريين على نجد، كانت نجد على صورة جيدة في ميادين الزراعة والتجارة والصناعة وشيء من العلم الأدبي والشرعي. ولكن الأخيضريين شغلوا أنفسهم المنطقة بصراعات وحروب جعلتهم يتوقفون عن قبول الآخر، والانفتاح. وهذا ما جعل نجداً تقف عند نقطة محددة لا تتجاوزها، بينما سائر مناطق شبه الجزيرة العربية، وخاصة الحجاز واليمن وشرق الجزيرة شرعت في الأخذ بأسباب التقدم والرقي. وكان أهل نجد آنذاك أمام أمرين: إما مغادرة المنطقة أو التوقف مع توقف مكانهم ومنطقتهم. وقد حدث لنجد وأهلها الأمران كلاهما. ففريق غادر إلى غير رجعة إلى العراق والشام ومصر. وآخرون آثروا البقاء على مضض وانكفأوا على أنفسهم.

وهذا مثال آخر نرى فيه صدق ما توصلنا إليه. يوجد في وسط نجد مدينتان عامرتان، وموغلتان في القدم. يُرجع بعض المؤرخين أساسهما إلى القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أو قبله بقرن. وهما بلدة معكال، وبلدة مقرن. ويقول التاريخ ان هاتين البلدتين مع بلدات آخر مثل: العود، وجبرة، والصُليعاء كانت قرى تشكل ما يُعرف في التاريخ القديم بحجر اليمامة. كانت معكال ومقرن متجاورتين ومتنافستين. وكانتا في خصام وعراك، وقلما تمر سنة دون أن تشهد البلدتان دماً مسفوكاً، أو ممتلكات منتهكة ومسلوبة أو مقوضة. وكانت الأسوار الطينية المتينة تحيط بالبلدة. وكانت هناك أسوار أخرى غير مرئية تحيط بالسكان تفصلهم عن الآخر، وتجعلهم في خصام معه.

كان ابن جربوع من شخصيات مقرن المرموقة. ورد اسمه في رسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وكان يُنظر إليه من قبل السكان المحليين على أنه صاحب علم ومعرفة بالمستقبل. ولكنهم لا يعرفون أنه مثقف ذو نزعة صوفية، وذو اطلاع واسع. ولهذا كرهه اهل بلدته. لا لسبب واضح، بل لكونه على طريقة تخالف ما هم عليه. وإن كان ما يُنسب إليه صحيحاً كما ورد في التاريخ الشفهي، فلابد أنه كان أحد كبار الصوفية في بلدة مقرن. ولابد أنه معارض لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وهو على كل حال معاصر له. وحيث ان دعوة الشيخ معادية للصوفية، فلا مراء أن نجد ابن جربوع في صفوف من يوصفون بأعداء الدعوة. ينسب الاخباريون صدقاً أو كذباً قصيدة طويلة لابن جربوع أحفظ منها هذين البيتين:

أنا للسماء بانيها

أنا للأرض داحيها

لولا الملامة من جدي

نار الجحيم أطفيها

وجده - هو - حسب قوله - نبينا محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام. ولكن كيف تأتي له أن ينسب نفسه للشجرة المباركة؟ تكمل الرواية الشفهية بالقول أن ابن جربوع من بقية الأخيضريين الذين ينتسبون للحسنيين. وهذا نسب لاشك فيه. والمتتبع لسلالة الأخيضريين يجد لهم ذكرا في الرياض الأسياح والخرج. ويُقال انهم بعد أن دالت دولتهم امتهنوا الأعمال اليدوية مثل نحت الحجارة وصنع الأرحية والقراوة.

ومثله أيضاً نفر من آل نوح الذين يرجعون في أرومتهم إلى جدهم الأعلى مجاعة بن مرارة الحنفي. وكان ابن نوح من الصوفيين المعروفين ببلدة مقرن. والصوفية مدرسة فكرية وصلت إلى نجد في وقت لا نعرفه. وكان لها أتباع. وكان لهم في مسجد في مقرن يجتمعون فيه، ويتدارسون. وعندما دخل الإمام عبدالعزيز بن محمد وبصحبته الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب هدم المسجد، وأقام في مكانه مسجداً لأهل السنّة عُرف بمسجد الشيخ عبدالله. وهو الذي يُعرف الآن بمسجد الشيخ محمد بن ابراهيم الواقع بجوار المحكمة الشرعية.

ونعود لما بدأنا به من ملء الفراغات في تاريخ نجد. نظر المؤرخون إلى الاشارات القليلة الواردة في التاريخ إلى معكال ومقرن. ثم وجدوا حدودهما تتطابق مع حدود ما يُعرف في كتب البلدانيات بحجر. فقالوا أولاً انهما قامتا في القرن العاشر على أنقاض حجر. وهذا قول لم أجد له سندا تاريخيا ثابتا. ثم طفقوا يبحثون في مكانة هاتين البلدتين. فإذا كانتا على ما ذكر أين هما الآن. ولماذا اختفتا بهذه السرعة؟ وأين سكانهما؟ وإذا كانت منفوحة معاصرة لهما. لماذا بقيت منفوحة صامدة أمام الدرعية وأمام الرياض سنوات طويلة، وهما أي معكال ومقرن لا نجد لما ذكر في حروب الرياض المتأخرة؟

نجد لما ذكر في حروب الرياض المتأخرة؟

نحن إذن أمام افتراضين اثنين: إما أنهما حيان من أحياء حجر. وليس بلدتين. أو أنهما اسمان لشخصين مرموقين. فالفرضية الأولى يقول بها الشيخ عبدالرحمن الرويشد ويستشهد بقول الراجز:

يا ماحلا والشمس بادي شعقها

ضرب الخناجر بين مقرن ومعكال

والفرضية الثانية يقول بها الشيخ حمد الجاسر رحمه الله. وهو يعرف بيت الرجز، ومع هذا يرى بأن الاسمين الواردين فيه اسمان لشخصين لا مكانين. وأصحاب الرأي الأخير يرجعون تسمية مقرن إلى الأمير مقرن بن أجود بن زامل رأس الدولة الجبرية التي قامت في شرق الجزيرة العربية. وبهذا هم يؤكدون خضوع نجد لتلك الامارة.

وتنفرد الرواية الشفهية بتأكيد أن هذين الاسمين من الأسماء القديمة. ولا علاقة لمقرن بن أجود بن زامل بشيء من هذا. حدثني الشيخ عبدالرحمن بن رويشد عن لعبة شعبية كانت سائدة في الرياض قديماً. تسمى: (بقرة وثور) وملخصها أن يلتحف أحد اللاعبين برداء. ثم يأتي آخر ويدخل يديه في الرداء من أجل التعرف على شخصية المتدثر بالرداء. ويقسم قائلاً: (كال ومعكال) ويسمي الشخص. مما يعني أن معكال اسم صنم من أصنام الجاهلية المعروفة في نجد. فإن كانت القصة المتواترة صحيحة، فلا نعدم أن معكال ومقرن من الأسماء القديمة. ولا داعي إذن ربطهما بشخصيات سياسية تستدعي نفوذاً سياسياً.

ملء الفراغات هنا لا لزوم له. وكون معكال ومقرن مكانين يبدو صحيحاً. ولكن الصحيح أيضاً هو عدم صدق كل ما ينسب لهاتين البلدتين. فهما لا يعدوان حيين في بلدة كبيرة. والله أعلم.