تقوم العديد من دور النشر السعودية بترجمة وطبع كتب مهمة بل وتكاد تقدم لأول مرة في الثقافة العربية ومع ذلك، فإنها تحتاج للمزيد من الدعم الذي يجنّبها خطر الإفلاس في سوق نشر يتعرض دوما للقرصنة من قبل مواقع نشر الكتب الإلكترونية. غير أن الدعم ليس بالضرورة أن يكون مباشراً وإن كان الدعم المباشر مهما، هنالك طرق ومنها الجامعات السعودية التي تشتري الكتب من الدور العربية خلال معرض كتاب الرياض وتهمل دار النشر السعودية فضلا عن المكتبات العامة وما أكثرها، فيما دول شقيقة ومجاورة تتلقى فيها دور النشر الدعم المالي على شكل منح وإعانات سنوية، كونها تقوم بدور ثقافي يكمّل دور مؤسسات الدولة ومنها وزارة الثقافة والإعلام.

ضرورة الدعم

بداية أكد صالح الغبين، من إحدى دور النشر والتوزيع، على حقيقة تطور دور النشر السعودية في السنوات القليلة الماضية وأنها " استطاعت أن تتقدم بسرعة كبيرة لتصبح من المتصدرين للساحة الثقافية العربية". مضيفا: " كما أنها نجحت في استقطاب شريحة كبيرة من القراء العرب من الخليج إلى المحيط، وخلقت دور النشر السعودية نوعاً جديداً من المنافسة في مجال النشر مقتحمة مجالات غير مطروقة من قبل وهذا ما لفت نظر القارئ العربي، ولو سلطنا الضوء على هذه الدور لوجدنا أنها نشأت بجهود شخصية من الناشرين السعوديين وأنها لا تحظى بأي نوع من الدعم". موضحاً: " عندما أقارن حركة النشر السعودية بنظيراتها في المنطقة وتحديداً الخليجية، أجد أن الأخرى تحظى بدعم هائل الإمكانيات سواءً مادية أو معنوية من جهات حكومية ومؤسسات رسمية وشبه رسمية مثل الجامعات، المكتبات العامة وأندية القراءة". مضيفاً: " ولم ينكر خلال حديثه كناشر سعودي أن الجامعات السعودية قد قامت بدعم الدار عن طريق شراء الكتب أو عن طرح مبادرات تعاون بين الجامعات والدار، ومن جهة أخرى، فإن الجامعات تقوم بزيارات مستمرة لمعارض الكتب الدولية لتزويد مكتباتها بأحدث الإصدارات العربية، أما المكتبات العامة، فهي مختفية عن الساحة تماماً باستثناء مكتبة الملك فهد".

وعن غياب الشراكات بين المؤسسات الحكومية والخاصة، رأى الغبين ضرورة أن هذه أن تدعم هذه المؤسسات دور النشر السعودية من خلال تفعيل دور المكتبات العامة وتزويدها بالإصدارات المحلية وجعلها منصات لدعم الكتاب عبر إقامة الفعاليات القرائية المختلفة من ندوات وغيرها".

انتقائية الدعم

أما المترجم إياد عبدالرحمن «ناشر» فيرى أن الكثير من الجهات السعودية المعنية بالإثراء المعرفي لا تزال عالقة في أزمة الوصول إلى الأعمال الأدبية الحديثة. مضيفا: " إذ تنتظر بدورها قدوم المؤلفين ودور النشر إليها عوضاً عن خوض تجربة البحث والاستكشاف بنفسها، وهي (وعلى الأرجح) تعمل بإيعاز من فئة من المثقفين الذين لا ينتمون إلى الجيل الجديد من صنّاع الثقافة، فئة تبحث عن الثقافة في الأماكن المألوفة (والأماكن المألوفة فقط)، دون محاولة النظر إلى ما هو أبعد، وعليه، نجد أن الإشادة والدعم قد أصبحتا حكراً على دور نشر معينة". وأشار عبدالرحمن إلى ان صراع الأجيال الأزلي قد يكون سبباً في تضخّم الفجوة بين المؤسسات الثقافية السعودية ودور النشر السعودية (اعتقاد الجيل الأقدم بعدم صلاحية مُنتجات الجيل الأحدث)، لا سيما وأن غالبية الدور السعودية النشطة حالياً قد نشأت منذ فترة قصيرة، لكن المؤكد هو ضعف (أو حتى غياب) قنوات التواصل بين المؤسسات الداعمة وصُنّاع الثقافة". موضحا: " أنه ومن باب الانصاف، يتوجّب الإشادة ببعض البوادر التي قد نجحت فعلاً في تقريب هذه الفجوة، مثل البوادر التي تشرف عليها مؤسسة الأمير محمد بن سلمان الخيرية (مسك)، إذ دأبت المؤسسة على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للتعرف على جديد المؤلفين ودور النشر، وحرصت كذلك على استضافة المثقفين الجدد وأصحاب المشاريع الثقافية الجديدة في محافل أدبية للتعريف بهم ولدعمهم، لكن هذه الصورة المشرفة من الدعم لا بد وأن تُستنسخ، من الواجب أن يُعمل بها في بقية المؤسسات المهتمة بالثقافة كي يتجلّى الدعم في أبهى صوره، وكي تنال دور النشر والمؤسسات الثقافية جُل الرعاية التي تحتاجها في سبيل خلق مجتمع مثقف".

مسؤولية المؤلف

أما الكاتب والصحافي الثقافي أحمد العيّاد، فدعا إلى ضرورة أن يكون الدعم أوسع من الدعم المالي، ليشمل دعم الكتّاب والمثقفين من خلال النشر في دور النشر السعودية. مؤكداً أن العديد من الكتاب وخاصة الكبار لايزال حتى اليوم لايثق بالناشر السعودي، إما خوفا من الرقابة ومسألة فسح الكتب مقارنة مع الناشر العربي الذي لايحتاج لعقدة الفسح أو بسبب مسألة التوزيع المحدود للكتاب السعودي.موضحاً: وهاتان المشكلتان لهما حل، لكن من الضرورة أن يدعم الجميع الكتاب والناشر السعودي من أجل تطوير صناعة النشر.

مؤكدا أن دعم الكتاب السعودي ليس مسؤولية المؤلف السعودي أيضا. في المقابل، رأى الإعلامي السعودي ضرورة أن تؤسس المؤسسات الثقافية الرسمية شراكات بينها وبين دور النشر السعودي وخاصة في مسألة تنمية مشاريع القراءة أو دعم الكتاب السعودي.

وتأسف الكاتب والصحافي السعودي غياب الشراكة والدعم، مذكراً بأن تلاشي الدعم والتحفيز يعتبر أحد أسباب استمرار هروب الكاتب السعودي المميز للنشر في الخارج. موضحاً: " فالناشر لا يستطيع توزيع كتابة في نطاق أوسع بميزانيته المحدودة، مقارنة مع الناشر العربي. أضف إلى ذلك، العوائق ومنها الإذن والفسوحات وإن كانت الأخيرة قد تسهلت في السنوات الأخيرة". ورأى العياد أن الدور السعودية تحتاج إلى الدعم المادي وذلك ضمن استراتيجية ثقافية تشرك هذه الدور في مشروع واحد مع المؤسسات المعنية". من أجل استقطاب شباب الكتّاب السعوديين وأيضا خشية من تراجع وفشل هذه الدور وخاصة الشابة أو الوليدة وهو ما قد يؤدي إلى إغلاقها كما حدث مع ناشرين ظهروا لفترة ثم اختفوا بسبب ضعف الدعم.

تجربة النشر

الشاعر محمد خضر والذي نشر أكثر من كتاب في دور النشر العربية يتحدث عن تجربته موضحاً: "نشرت آخر كتاب في دار نشر سعودية، وحقيقة شعرت باختلاف كبير في تعاملهم وفي تقديرهم". مضيفاً: " سنوات من النشر مع دور النشر العربية تتعامل معنا كأشخاص لديهم أموال زائدة، وكأنهم يقولون سنطبع لكم فقط لأنكم تدفعون". معتقداً أن هذا الانطباع تشكل من النظرة العامة الاقتصادية والإعلامية وغيرها من أنماط الحياة ليصل الى الكتابة.

ويرى محمد خضر أن ما ينقص دور النشر المحلية شيء من الاتقان والاحترافية في التوزيع والطباعة لتصبح منافسة لدور نشر مشهورة بالاهتمام بهذه التفاصيل. مضيفا: " كما أني أرى أن دعم وزارة الاعلام لمثل هذه المؤسسات الخاصة بات ملحاً من أجل الابداع المحلي واستمرار هذه المؤسسات". موضحاً: " لنقل دعم هذه الدور في معرض الكتاب المحلي بتوفير أمكنة يدعون لها إلى بقية أشكال الدعم".

توفير الميزانية

من جهته برّأ مدير عام المكتبات بوزارة الثقافة والاعلام فيصل مرغلاني، ساحة المكتبات العامة من موضوع الدعم للناشرين السعوديين، رابطا ذلك بتوفر الميزانية ليكون الدعم عبر تحديد العناوين المجتمعية والعلمية والأدبية التي تساهم في ثقافة المجتمع، وطلبها من دور النشر السعودية تحديداً وبذلك تتحقق المعادلة المطلوبة بتنمية الثقافة ودعم دور النشر السعودية. وأشار مرغلاني الى ان المكتبة هي الحاضنة التي تحتضن المثقفين، وطلاب العلم، والقراءة، والمعرفة، فكل ما يقرأه الإنسان مفيد، نستطيع القول إنّ المكتبات هي عبارة عن مؤشّر ثقافي للدولة، فكلّما كانت العناية بالمكتبات أكبر، كان وضع الشعب أفضل. مؤكداً أهمية المكتبة من أهمية القراءة ومن أهمية اكتساب الثقافة، فكلّما كان اهتمام الفرد والمجتمع والدولة بالثقافة والمعرفة أكبر، كان للقراءة دورٌ أكبر، وكانت المكتبات أكثر ارتياداً من الأماكن الأخرى الموجودة في دولة معينة.

الغبين: استقطاب شريحة كبيرة من القراء العرب
إياد عبدالرحمن: تجربة «مسك» تستحق الإشادة
محمد خضر: كثير من الدور تحتاج إلى الإتقان
فيصل مرغلاني: المكتبة حاضنة المثقفين
أحمد العيّاد: دعم الكتاب ليس مسؤولية المؤلف