صفوة القول: التقارب السعودي الأميركي رسم ملامح مرحلة جديدة لمواجهة التطرّف الذي زعزع المنطقة وزرع فيها عدم الاستقرار وأعطى انطباعا بأن ثمة انفراجا قادما للملفات الساخنة..

منذ أن غادر الرئيس ترمب المملكة وهو لا يكف عن الحديث عن إعجابه بزيارته التاريخية لها رغم أنه زار بعدها العديد من الدول والتقى الكثير من الزعماء إلا أنه ظل يؤكد تفرد وتميز تلك الزيارة التي وصفها بالاستثنائية فضلا عن احترامه الشديد لشخصية الملك سلمان وتقديره لدوره الريادي في تعزيز الأمن والسلم الدوليين. الجديد في العلاقات الإستراتيجية والعميقة وذات الشراكة ما بين البلدين لا تنتظر إشارات حسن نوايا أو علاقات عامة بل اتجهت لعمل مؤسسي مشترك ومستدام لتحقيق الأهداف. زيارته للرياض جاءت نتيجة عمل دبلوماسي سعودي تراكمي أثمر بإعادة الحيوية للعلاقة التاريخية والإستراتيجية ما بين البلدين والتناغم حول العديد من القضايا. كان من غير الطبيعي أن تفرط الدولتان في علاقة إستراتيجية تجاوزت الثمانية عقود، لا سيما وقد استطاعتا في الماضي تجاوز الكثير من فترات التوتر والفتور. ليس من المبالغة القول إن الدبلوماسية السعودية تعيش الآن مرحلة مختلفة وفاعلة وحاضرة على المسرح الدولي، فالجديد فيها أنها تستند إلى الواقعية السياسية عبر الوضوح والمباشرة دون أدنى مواربة. هذا الوضوح المتنامي في الدبلوماسية السعودية، أخذ طريقه إلى كل مراكز صناعة القرار في العالم، الأمر الذي جعل الرياض لتكون رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في صياغة القرارات المصيرية. الرياض اليوم تقود العالم العربي بمواجهة المشروع الفارسي التوسعي، وتترأس التحالف الداعم للشرعية في اليمن، وأنشأت تحالفا إسلاميا عسكريا خاصا بمكافحة الإرهاب، وشاركت في التحالف الدولي الخاص بالحرب على داعش في سورية والعراق. بالمقابل نذكر هنا أن فداحة الخلل في السياسة الخارجية في فترة أوباما دفعت خبراء ومختصين من الحزبين لتشكيل لجنة مشتركة من أجل إعادة صياغة أسس السياسة الخارجية الأميركية. تزامن ذلك مع صدور تقرير مهم عن مركز التقدم الأميركي أثار جدلا واسعا بعنوان "الاستفادة من نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط – خطة لتعزيز الشراكات الإقليمية" جاء فيه أن لواشنطن مصالح في المنطقة لا سيما بعد ظهور داعش وكارثة اللاجئين التي وصلت لأوروبا، وشدد على البيت الأبيض بأن يتخلى عن أسلوب إدارة الأزمة بالانتقال لمفهوم القيادة الفاعلة ما يعني الانخراط في المنطقة عسكريا ودبلوماسيا واقتصاديا.

ترمب يبدو أنه استمع لما يقوله مستشاروه وهو الذي قال "إنه ليس من مهمة الولايات المتحدة أن تملي على الآخرين طريقة الحياة التي يجب أن يسلكوها، بل إن الهدف هو بناء ائتلاف من الأصدقاء والشركاء الذين يتقاسمون هدف مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط" هذا الأسلوب كان محل تقدير دول المنطقة ولقي صدى إيجابيا. المغزى هنا يحترم استقلالية وسيادة كل دولة، ويعلم إن الإملاءات والضغوط والفرض كلها لن يكتب لها النجاح. نجح ترمب آنذاك باستخدام لغة مناسبة لتحفيز الآخرين وإيجاد أرضية مشتركة ما للتعاون والتنسيق. الرياض وواشنطن في الفترة الراهنة تنطلق من أرضية صلبة وراسخة من التفاهمات الواضحة. أدركت الإدارة الجديدة إن أرادت أن تنجح في المنطقة أن تقرأ المشهد جيدا وتلتزم بتنفيذ تعهداتها وأن تُميز ما بين الصديق والحليف والعدو ناهيك عمن يمول الإرهاب ومن يكافحه. في هذا السياق ثمة رسالة سعودية لإدارة ترامب في أن تتحمل مسؤوليتها في إقرار السلام. يجب أن نعترف أن مؤشرات إيجابية نحو سياسة أميركية جديدة في المنطقة وبالتالي مراجعة أخطائها أثناء الحقبة الأوبامية. واضح أن الرياض كشفت كل الأوراق من أجل أن تدرك واشنطن حجم المخاطر والتحديات المحيطة، ما يستدعي إعادة النظر في سياستها بما يخدم أمن واستقرار المنطقة كونهما ينطلقان من علاقات تاريخية. واضح أن قواعد اللعبة الدولية قد تغيرت وهناك تموضع جديد للسياسة الدولية في المنطقة ما يدفع باتجاه إيجاد مخارج وحلول بدليل ما نلمسه من إرهاصات رغم أن الحل الشامل يحتاج إلى إرادة سياسية فالمشهد بالغ التعقيد.

صفوة القول: التقارب السعودي الأميركي رسم ملامح مرحلة جديدة لمواجهة التطرّف الذي زعزع المنطقة وزرع فيها عدم الاستقرار وأعطى انطباعا بأن ثمة انفراجا قادما للملفات الساخنة.