مذ عرفت سوق الأسهم وتعاملت فيها قبل أكثر من ربع قرن، لم أشهد ارتباكاً هائلاً كالذي حدث في شهر مارس 2006م وقبله بقليل وبعده بشهور حتى هوى المؤشر إلى حدود 10000 في 25/2/2006م بلغ مؤشر سوق الأسهم السعودية الذروة (436,02) نقطة، ثم هوى بسرعة هائلة إلى (14,900) في يوم 14/3/2006م وفقد خلال (18) يوماً فقط (5734) نقطة بانخفاض نسبته 27٪ تقريباً، وسط ارتباك عام من المتداولين وهيئة سوق المال ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد التي لم تفعل شيئاً ولا أدري ما هو دورها الحقيقي حتى الآن وما هي حدود الصلاحيات بينها وبين المالية؟ خاصة ان المؤشر واصل انخفاضه وكسر العشرة آلاف في وقت من الأوقات المشكلة لم تكن في ضخامة الانخفاض وسرعته.. فقط.. بل في الشلل شبه التام الذي أصاب السوق حيث عرضت معظم الأسهم على النسبة الدنيا منذ الصباح الباكر بدون طلبات لعدة أيام، والمشكلة الأدهى والأمر ان السوق دخله أكثر من مليون مواطن معظمهم جدد ومقترضون على رواتبهم وغيرها ولا يفقهون في سوق الأسهم ولم يجدوا توعية لا من الجهات المسؤولة ولا من بنوكنا التي تأخذ ولا تعطي فلم تساهم بأي قدر - ولو قليل - في توعية المتعاملين عبر نشرات مدروسة مجانية وأقسام استشارية وكل هذا لا يكلفها إلاّ القليل جداً وقد ربحت من المتداولين بما فيهم من خسر معظم رأس ماله، ومن أفلس - مليارات على طول العام ومما زاد الطين بلة منعهم من تقديم خصومات على عمولة التداول وقد كانوا يقدمونها بسبب التنافس (اقتصاد حر) ولأن العملية لا تكلفهم.

المهم ان المجتمع مر بأزمة خانقة ذات تأثير كبير اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً بشكل لم يدرس ولم تعرف آثاره بعد.

أساس المشكلة

وإذا عرفنا أساس المشكلة وهي الارتفاع الحاد ثم الانهيار السريع الحاد، وأوجدنا لها الحل الناجح، استطعنا بإذن الله تلافي تكرارها إلى حد بعيد.

ومعرفة سبب المشكلة وحله هو العلاج الحقيقي أما الحلول الأخرى البعيدة عن أصل المشكلة فهي كالاسبيرين يعطى لمريض مرضه خطير.

أساس المشكلة هو (انعدام الوعي) عند الشريحة العظمى من الذين اكتشفوا عالم الأسهم مؤخراً، بعد ان ربحوا في اكتتابي اتحاد الاتصالات وبنك البلاد، هؤلاء دخلوا سوق الأسهم فجأة، وعددهم يناهز المليون وعدة معظمهم الجهل المطبق بأصول الاستثمار والمضاربة في سوق الأسهم، والجهل المطبق بوضع الشركات التي يضاربون عليها.

واستغل المضاربون المحترفون والذين يفهمون أصول السوق جيداً، ويفهمون جوانب اللعبة دخول هذا العدد الهائل للسوق، وجهلهم بمكررات الأرباح والقيم الأسمية للسوق وأوضاع الشركات.. انتهز هؤلاء المضاربون الفرصة - وبعضهم لا ضمير له - فجمعوا في الشركات التي رؤوس أموالها صغيرة جداً. رغم أنها خاسرة أو ربحها ضئيل جمعوا فيا أسهماً هائلة، ثم أوعزوا لمن يطبل لتلك الشركات عبر رسائل الجوال (والمضحك أنها بثمن مدفوع أيضاً!!) وعبر بعض المنتديات وربما بعض محللي الفضائيات!!

هنا انساقت الجموع الغفيرة وراء تلك الشركات العاثرة التي جاءتهم عليها التوصيات ورأوا بأعينهم أسعارها ترتفع كل يوم إلى النسبة القصوى 10٪ في كثير من الأحيان فأصبح هدف كثيرين منهم الحصول على النسبة القصوى كل يوم! ربح 10٪ كل يوم وهو أمر يستحيل الحدوث - كما حصل - في كل أسواق العالم الراشدة وغير الراشدة! المهم ان المضاربين استغلوا جهل الأكثرية والهبوهم بسياط الطمع وأخذوا يبيعون عليهم بالتدريج مع دعم الأسهم من تحت بطلبات هائلة، حتى وضعوا معظم تلك الأسهم العاثرة في كبود المساكين بأسعار خيالية!

وساعدهم على نجاح لعبتهم ضيق السوق، أسهم قليلة ونقود كثيرة تطاردها وهذا ما يؤدي إلى التضخم ومع الجهل اشترى كثيرون كرسياً قديماً هالكاً مكانه حراج ابن قاسم وقيمته لا تتجاوز خمسين ريالاً، اشتروا هذا الكرسي المتهالك بألف ريال وأكثر واشتروا آلاف الكراسي بثمن فاحش فيه غبن + تدليس + ضحك على الذقون.

والسبب الذي أدى إلى ذلك هو عدم توعية هؤلاء الجدد (وهم فوق المليون) بشكل مبكر ومكثف عبر كل وسائل الإعلام وموقع الهيئة ومن المحللين المخلصين، ومن المسؤولين عن إدارة الاقتصاد (المالية، الاقتصاد، مؤسسة النقد، هيئة سوق المال، وزارة التجارة) عبر تصاريح واضحة ومتكررة بأن أسهم (الخشاش) (وهي أكثر من الأسهم القوية في سوقنا إلى حد ما) بأنها وضعها كهذا، ومكرر ربحها هكذا، ولا تساوي أكثر من كذا، وانه حتى أسهم العوائد فاقت مكرراتها المعقولة..

صمت مطبق أو شبه مطبق أتاح للمضاربين المحترفين والأذكياء استغلال مئات الألوف من المواطنين الذين قدموا الى سوق الأسهم وقد اكتشفوها فجأة بدون أي علم بل بهدف تحقيق ربح خيالي وسريع وهو الهدف الذي أدركه أولئك المضاربون فأوهموهم بتحقيقه ليوقعوهم في أكبر مصيدة عرفناها ويعلقوهم في شباكها..

وهيئة سوق المال واعية وتدرك الخطر ولكن ما العمل والاقتصاد حر ولا مآخذ على من يرفع شركة فوق قيمتها العادلة بأضعاف فهو يشتري بماله وطالما لم يخالف فماذا تفعل الهيئة؟

المسؤولون عن ادارة الاقتصاد (وزارات الاقتصاد والمالية ومؤسسة النقد والتجارة) هم المطالبون بالخروج علنا وتوعية الناس بقوة وحسم وحزم، قبل ان ترتفع أسهم الخشاش الى أسعار خيالية ويقع الفأس في الرأس.

وبما أن تلك الجهات كانت تعيش صمتا مطبقاً، أو شبه مطبق، فقد ملأ فراغها وأخذ يصرح ويتكلم المنتفعون من بعض المضاربين في بعض منتديات النت «والتي كان لها فعل السحر» وعبر رسائل الجوال ذات التوصيات مدفوعة الثمن (خسروهم وأخذوا قيمة توصية الخسارة!) اذن فان المشكلة هي (قلة أو انعدام الوعي لدى الشريحة الأعظم من المتداولين) وقلة الاسهم المطروحة للتداول.. وحتى لا يقال ان كاتب هذه السطور يقول هذا الكلام بعد فوات الأوان، فإنه قد حذر مرارا وتكرارا من الارتفاع غير المبرر للأسهم عامة والخشاش خاصة ودعا ويدعو مرارا للاسراع في طرح مصارف وشركات جديدة تمتص السيولة وتخفض حرارة السوق (وهي حرارة مرضية) شركات جديدة توجد قنوات مجدية ومربحة لأموال صغار المستثمرين، وتوفر فرص عمل، وذلك في مقالات كثيرة منها مثلا مقال: (اقتصاد ضخم وبنوك قليلة) والمنشور في حروف وافكار بتاريخ 21/5/2005م جريدة «الرياض ونعيد أجزاءً منه وأمثاله لأن فيها علاجا لمشكلة فلا تتكرر.. (واذا كان سوق الأسهم لدينا يرتفع يوما بعد يوم، وينتفخ فلماذا لا تنشأ بنوك جديدة تمتص كثيرا من هذه السيولة وتخفف من حرارة سوق الأسهم وتستبق شبح التضخم القادم..؟) أليس المواطنون أولى بفتح بنوك مساهمة كبيرة تفيد وتستفيد وتساهم في توزيع الثروة لكي لا تكون دولة بين الأغنياء) إلى آخره.. ومقال (طفرة سوق الأسهم) بتاريخ 7/6/2005 ومما ورد فيه (في البورصة لدينا الآن نقود كثيرة تطارد «أسهما قليلة» وهذا هو التعريف الكلاسيكي والصحيح للتضخم.. لهذا ينبغي الاسراع في تخصيص اسهم الشركات التي تملكها الدولة، والتشجيع على إنشاء شركات مساهمة جديدة برؤوس أموال كبيرة في ثلاثة قطاعات بالذات وهي:

المصارف، والسكن والجيل الثاني من منتجات سابك، لتوجيه السيولة لما ينفع وينتج.

إن السيولة في بلادنا هائلة والسيولة مثل السيل اذا وجه السيل إلى الأراضي الخصبة نفع وأثمر، وإذا ترك السيل فإما ان تبلعه الأرض السبخة التي لا تنبت كالمضاربات المحموقة، أو يقلع في طريقه المزارع والأشجار والبيوت..».

ومقال: (أنواع المضاربين في سوق الأسهم 2/7/2005 وفيه (والذي يعمل برأس ماله كله ويستدين ايضا فهذا اذا ادبرت الأمور، وقد تدبر بسرعة خاصة في الأسهم، أفلس وضاع وضيع من يعول..

وفي المضاربين من يجمع في السهم الذي يريد بهدوء ويضغط على السهم حتى يجمع 3/4 كميته مثلا ثم يرفعه بسرعة الصاروخ ليلفت له الأنظار ويجر له الأقدام ويبدأ بالتصريف خاصة أن معدله منخفض، وهو لم يرفع الشركة ليحافظ على سعرها بل ليتخلص منها (تسمين البطة تمهيداً لذبحها)»

الفرق بين الاستثمار والقمار

في الربع الأخير لعام 2005 والشهران الأولان من عام 2006 تحول سوقنا إلى (صالة قمار) كبرى مع الأسف.. وصار الناس يريدون أن يربحوا كل يوم 10٪ هذا هو الهدف.. وهذا هدف مقامرين لا مستثمرين.. والقمار نفسه لا يعطي شيئا بل يأخذ كل شيء في النهاية حتى العقل يأخذه..

وقد يحمل الإنسان عقلية القمار وهو لم ير طاولة القمار في حياته، ولا يقامر أصلا، وهذا محكوم عليه بالافلاس عاجلا أو آجلا الا ان يرحمه الله، وفوق الافلاس لوم النفس والأمل.

إن المستثمر لا يشتري الا سهما له عائد يفوق عائد المرابحة (مع حساب النمو بتحفظ شديد) ولا يستدين.. لأن هدف المستثمر: اولا: الحفاظ على رأس المال.. ثانيا: تحقيق الربحية.. الهدف الأول هو الأصل.. ومن يشتر ارضا بعيدة عن الخدمات بألف ريال للمتر فهو مغامر مقامر كمن يشتري سهم شركة خاسرة بعشرة أضعاف أو أكثر.. لا يمكن أن يفعل هذا مستثمر.. ناهيك عن أن يقترض الا اذا بلغ عائد السهم ضعف عائد الاقتراض من ربح تشغيلي ذي اداء تاريخي طويل ونامٍ.. على أي حال المهم هو أخذ العبرة مما مضى، فقد قيل الكثير عن ارتفاع السوق من بعض الكتاب والمحللين الأصوليين المخلصين ولم يسمع لهم الا القليل.. ولكن لغة السوق مسموعة... وقد أعطى ثقافة لكثيرين ولكن بثمن موجع، ومن عاداتنا جميعا الا نتعلم من غير أخطائنا وخاصة في مرحلة الشباب أو في دخول مجال لا نعلم عنه الكثير..

إلى د. عبدالرحمن التويجري

للحق نهنئ سوقنا وأنفسنا بتعيين معالي الدكتور عبدالرحمن التويجري رئيسا لهيئة سوق المال فسيرته عطرة وتخصصه في الصميم وسمعت كثيرين ثقات يعرفونه يصفونه (بالقوة والأمانة) وهما العملة النادرة في الادارة.. إن أمامه مهام جساما.. وتركة ثقيلة.. ولكنه ان شاء الله سيوفق في انتظام السوق وانجاز هيكلته وحجم الشركات العائلية عن المغالاة في علاوات الاصدار (أقترح أن لا يزيد مكرر الشركات العائلية لدى الطرح على 7 مرات والشهرة لسوق المال فهو الأشهر) وأن تجعل الأفضلية المطلقة للشركات الجديدة فهي بدون علاوة تكسب المواطنين وتوفر فرص عمل وتضيف للاقتصاد وتعمق السوق فيصبح استثمارا لا مجال للمقامرة فيه..