حينما يكون الحديث عن علم إعلامي، وقائد مهني بارز أثرى مجاله، واكتسب من خلاله كل التقدير والثناء، تتوارى الكلمات، ويصعب اختيارها، بل ونعجز عن بلوغ المعنى المناسب لقامته كي يكون مثالياً في التعبير عنه.

واحسب ان تركي بن عبدالله السديري "رحمه الله" الذي انتقلت روحه إلى بارئها صباح أمس الاول هو من الفئة نفسها، ذلك الرجل الذي أثرى الإعلام السعودي على مدار نصف قرن مراسلا وكاتبا ورئيسا للتحرير لواحدة من أعرق الصحف العربية ، انطلاقا من مهنية رائعةجعلت له خصوصية لم تقف عند ابواب المحلية بل تجاوزتها ليكسب رصيداً جماهيرياً كبيراً بين فئات المجتمع كلها، وصيتا لافتا جعله ضمن أهم رجالات السلطة الرابعة في العالم العربي.

حياته الصحفية هي خير مثال للاعلامي الذي بدأ يضع خطواته الأولى عبر مبنى قديم لصحيفة الرياض في حي المرقب، وبين المهنة المتعبة حد الانهاك النفسي والبدني انطلق ليشق طريقه فارسا يمتطي صهوة المعلومة الحقيقية والكلمة الصادقة، ليقوده تميزه الى ارتقاءات أكبر لم تكن رئاسة التحرير لجريدة الرياض ولا رئاسة هيئة الصحفيين السعودية والخليجية أهمها، بل إن تسميته من قبل الملك عبدالله بن عبدالعزيز بـ "ملك الصحافة " كان اثمنها وأرقاها ليس لديه وحده، بل ولدى كل من عرف هذا الرجل المتفوق.

كان تركي السديري موسوعة ثقافية اعلامية لم ينحصر دورها في شأن صحافي واحد فهو مدرك لها جميعا من السياسة وحتى الرياضة والاقتصاد وكل اقسامها المتناثرة، لذا كان المراجع الحصيف لصحيفته قبل نشرها وبما جعلها أكثر اتزانا ومصداقية ، وحتى لغة واثراءً. غير أنه علمٌ من أعلام الرأي والموقف الثابت الواضح والأشد التزاما بالقضايا الوطنية حيث كان من الشخصيات الهامة التي آمنت ودافعت عن الوطن والمواطنين، ناهيك عن أنه منافح صل عن الحرية الاعلامية بشكل عام وحرية التعبير عن الآراء والأفكار والكتّاب .

رغم أنني من جيل حضر بعده بعقود رحمه الله الا أنني عرفته عبر مناسبات كثيرة فوجدت فيه إنسانا واسع الصدر، متسامحا ومرحبا بكل نقدٍ له ولغيره على اعتبار أن النقد البناء هو الأساس الذي تقوم عليه الصحافة الرصينة التي هو أحد مؤسسيها، عُرفَ بتواضعه، وإعطاء كل صاحب حقّ حقه.

وما لا يعلمه الا قلة من المنتمين للسلطة الرابعة أن تركي السديري جاهد وقاوم كثيرا لحماية مهنته وسط تنامي عدد الدخلاء عليها، ليكون العراب الأول لانشاء هيئة الصحفيين السعوديين كمنبر للمنتمين الحقيقيين للمهنة، في ظل أنه جعل من صحيفة الرياض مكانا للباحثين عن الحقيقة، كان كذلك رغم ما لاقاه من اسقاطات وتحديات خرج من جميعها صلبا وأقوى من السابق.

المهم في القول إننا نحتاج الى توثيق حياة الإعلامي الكبير الراحل متضمنًا سيرته الذاتية، ومراحله الصحفية، وتاريخه الإعلامي المشرف، وأبرز إسهاماته الصحفية، ومقالاته الوطنية التي قدمت مثالاً راقيًا في الموضوعية والكلمة النزيهة والصادقة والحرص على وحدة البلاد وأمنه وتقدمه وازدهاره، وتدعيمه لمسيرة العمل السعودي والخليجي والعربي.

سيفتقدالإعلام السعودي علما كبيرا مؤثرا واسع الصدر، وسيفتقد زملاؤه في هيئة الصحفيين وجريدة الرياض رجلاً وفياً، اسكنه الله فسيح جناته وألهمنا الله نحن وأهله ومحبيه الصبر على وفاته.