أتفق مع من يرى أن الحديث والنقاش في الموضوعات العلمية والثقافية والفكرية الجادة لا يلقى الاهتمام المطلوب في المجتمع، فالملاحظ أن الكثير من الأشخاص يتضايقون من النقاش في الموضوعات التي تتطلب إعمالا للفكر ويتهربون من الحديث فيها، بل حتى الاستماع إليها، وتبدو عليهم علامات الملل والضجر، وحتى عندما يتجاوبون قليلا فإنهم سرعان ما ينتقلون إلى موضوع هامشي، إلا أنهم يتفاعلون ويهتمون عندما يكون الحديث عن موضوعات سطحية حتى لو كانت مكررة، ويرهفون السمع إذا كان الكلام عن أخبار الفنانين وتفاصيل حياتهم، أو كان الحديث عن أخبار الناس وشؤونهم وأسرارهم الخاصة، وما يتداول في شبكات التواصل الاجتماعي يؤكد ذلك، حيث تظل المعلومات السطحية والأخبار الزائفة والثقافة الاستهلاكية والنصائح المكررة والمملة في كل مجال تدور من شخص إلى آخر، وقلما تجد من يبث أفكارا جديدة توصل إليها بعقله أو تجاربه أو بقراءاته، كما أنه من النادر أن ترى من يطالع كتابا وهو يجلس في مقهى أو يسافر في طائرة أو أثناء انتظار دوره للحصول على خدمة ما.
أمر آخر يلاحظ للأسف هو سرعة البعض إلى تصديق كل ما يقال أو ينشر أو يرسل في وسائل التواصل، ليس فقط بين البسطاء بل حتى في أوساط المتعلمين ومن من المفترض أن لهم خبرة في الحياة والعمل، فالخبر أو المعلومة تتداول بسرعة قبل أن يكلف أحدهم نفسه بالتمعن فيها والتأكد من مصدرها ومدى صدقيتها أو منطقيتها بإجراء عملية تحليل سريعة بعيدا عن الميول الشخصية والأفكار المسبقة.
هناك أسلوب آخر يتبعه البعض لصرف الحديث والنقاش في موضوع مهم أو مشكلة ما غير أسلوب التهرب أو إظهار الضيق، وهو استخدام نظرية المؤامرة، وذلك لأنها توفر مخرجا سهلا وسريعا من المشاركة والتفكير والإصغاء، فالتلويح بها يخلق جوا مشوشا يحول دون الاسترسال بالكلام وتحقق المنفعة من الحوار العقلاني المبني على الحقائق والبراهين والذي يقود إلى وضوح الرؤيا، وعبثا تصبح محاولة توضيح أن وجود المؤامرة لا يمنع من النقد الذاتي والبحث في الأسباب ولا يعفي من المسؤولية.
الوعي الثقافي والفكري طريق للإصلاح والتطور وبناء الإنسان والمجتمع.


التعليقات