هل (طوّرت) «القبيلة» في الجزيرة العربيّة ذاتها في عصر المعلومات؟ وهل يمكن اعتبار تنامي أعداد المواقع والمنتديات الالكترونيّة التي يتم تأسيسها باسم بعض القبائل مؤشرا (ايجابيّا) يمكن أن يسهم في نمو وتعزيز أواصر التعايش في نسيج المجتمع المعاصر بكل تعقيداته، أم أن هذا الحضور القبلي الالكتروني يعدّ (تراجعا) حضاريّا قد يعيد بعث النعرات والفخر القبلي بنقائض الأجداد، ووقائع تاريخٍ ليست كلها مما يُستحب المفاخرة به؟

تأملات وصور شتى تتراءى للراصد للمشهد الالكتروني العربي حيث تَتوزّع (المضارب) الإلكترونيّة لمعظم القبائل العربيّة على الشبكة العالميّة بين موقع تاريخي يبحث في الأنساب ويؤصل للبطولات والراويات والأشعار، وموقع خدمي يركّز على تقديم الخدمات والأخبار عن أبناء القبيلة وفق الروح العربيّة القبلية المؤسسة على معان ملتبسة أحيانا تعززها بعض قيم وثقافة القبيلة المتوارثة بعجرها وبجرها.

لا شك أن هناك ايجابيات لهذا المثول القبلي في الفضاء الالكتروني خاصة إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية التواصل، والتكافل، ولكن الإشكالية الكبرى تطل من محتوى بعض المواقع الانترنتية المنسوبة لقبائل ومناطق في بلادنا بما تشتمل عليه من أطروحات تركّز على تعقيدات تتقاطع مع حدود النهي الشريف في قانون (دعوها فإنها منتنة) ما يجعلك تسأل عن جدوى إنشاء مواقع الكترونية وتخصيصها لنبش فتن عصبيّة اسكنها الله. ويتجدد التساؤل حين تتصفح منتدى الكترونيا غلبت على محتواه أمجاد الصراعات القبلية، والمفاخرة بترديد أشعار تمجّد فرسانا (كتب الله عليهم) أن يسفكوا دماء إخوانهم المسلمين بسبب التنافس على مرعى، أو مورد ماء، أو طمعا في مغنم من مال من غير حق. بكل أسف ستجد بعض المواقع والمنتديات تحمل أسماء مناطق وقبائل كريمة ولكن حماس بعض مؤسسيها والمشاركين فيها (فرّق) القبيلة وشيوخ (شملها) بين هضاب «الدوت كم» «والدوت نت».

القبيلة كما يقول علماء الاجتماع أحد صور الاجتماع البشري الابتدائيّ (primitive) فهل بقي لها مكان في عصر باتت والدولة الوطنية برمتها فيه محل تساؤل. اين وكيف سيكون شكل (سلطة) القبيلة والدولة في ظل هيمنة الكبار بقوة القانون الدولي، وَتوَسُّع مظلّة الحماية الدوليّة للحريات!!. ومن يحكم ومن يراقب مجتمعات فقدت ظلها بعد أن تاهت في أدغال ثورة المعلومات والاتصالات؟. ما رأي بعض من يؤسس للقبيلة الالكترونية أن هناك مؤشرات؟ وان كانت بعيدة- تشي باقتراب نهاية الدولة الوطنية بكل قبائلها وتراثها؟ وكيف يصمد (فارس القبيلة!) ومفهوم (المواطن) سيكون بحسب الخطط والتوجهات محل نزاع بين القانون والممارسة حتى تذوب شخصيته في (شيء) اسمه (المواطن العالمي) كما يتنبأ القارئون لملامح العقدين القادمين؟.

من حقنا بعضنا أن يسأل.. هل ستعود القبيلة قوية ومؤثرة من خلال شاشات الحاسبات؟ ولكن هل لهذا السؤال محل ونحن في عمق أعماق العولمة حيث تجاوز الجدل دور ومفهوم القبيلة إلى تأكيدات بدء اضمحلال دور كل منظومة (إدارية وسياسية) قُطْرِيّة. ربما لم يعد مناسبا طرح سؤال حال القبيلة ومستقبلها فهناك من يسعى إلى ترويج فرضية «حتمية» تحول (رموز) الكيانات الوطنية الصغيرة إلى مجرد موظفين بيروقراطيين بمرتبة (مدير عام) للشؤون المحلية اليومية للشعوب التي سيسمح لهم (بإدارتها) فقط (دون) حكمها.

في ضوء كل هذه التحديات التي تواجه الدولة الوطنّية ربما يجوز لنا أن ننظر إلى الحضور الالكتروني المكثّف للقبيلة كنوع من ردة الفعل الحضارية جراء حالة الانكسار التاريخي والأوضاع المأزومة للهوية الثقافية التي دفعت البعض إلى تفضيل إعادة تقديم (خيار) القبيلة كأحد الحلول الأخيرة في وجه ثقافة الذوبان في مجتمع العولمة والمعلومات. الواضح انترنتيا أن منظومة القبيلة تحاول أن تمارس دورا في الواقع (الافتراضي) ربما يتجاوز حظهّا في الواقع (الفعلي) للناس الذين تتوزع شؤونهم اليومية العديد من المؤسسات الرسميّة والاجتماعيّة خارج الإطار (العاطفي) الذي يربط الفرد بالقبيلة.

مسارات

قال ومضى: ربما أشهد لك بالنجاح... ولكن أن طُلِبَ مني الدليل فسأريهم تورّم أكتاف كل من حولك.

fayez@alriyadh.com