على العالم أن يدرك أن أزمات العالم العربي في منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى شراكة دولية لإعادة ترتيب المنطقة وبناء نهج الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى الثقافي، فالتدخلات الإيرانية في المنطقة العربية وتوجهاتها نحو تعزيز الطائفية تحتاج إلى إيقاف دولي بالإضافة الى إعادة النظر في التسلح النووي الإيراني..

لم تعد الخيارات متعددة أمام العالم العربي الذي يجد نفسه اليوم أمام تساؤلات ملحة على المستوى المحلي والدولي، ففيما بعد العام 2010م ولد عالم عربي مختلف، فنزاعات العالم العربي التقليدية انطوت مع التغيرات الفوضوية التي اجتاحت جزءاً مهماً وكبيراً من دول العرب. هذه الفوضوية ولّدت تلقائياً العنف وعدم الاستقرار في ثلاث مستويات بنائية في التكوين العربي، على المستوى السياسي انهارت أنظمة عربية كانت متماسكة لعقود من الزمن واتضح أن هذا التماسك كان هشاً في مكوناته الداخلية، على المستوى الاقتصادي اتضح أن الدول العربية لم تضع ضمن خياراتها استراتيجية لبناء مجتمعات قوية مستقرة، أما على المستوى الاجتماعي فإن الارتباك النفسي والفكري والثقافي أصبح سمة عربية خلّفت خلال السبع سنوات الماضية منتجاً فكرياً متصارعاً ضل طريقه نحو بناء أسس فكرية تساهم على الأقل في عقلنة الواقع العربي بعد فوضى الثورات.

ليس العالم العربي كما هو، هذه حقيقة يجب أن نقبلها سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وإذا كان التاريخ العربي فيما بعد الحرب العالمية الثانية مضطرباً فإنه فيما بعد الثورات العربية مرتبك، فما حدث اجتاز الحدود العربية فمنتجات الأزمة في الشرق الأوسط أصبحت تشكل تهديداً واقعياً للعالم.

بعد الثورات العربية التي اجتاحت عدداً ليس سهلاً من العالم العربي بدأ العالم يستقبل منتجات هذه الأزمة في الشرق الأوسط وهنا تشكلت أزمة العرب في معطيات أساسية في تكوينها التاريخي حيث تعرض الدين الإسلامي للاتهام بعد نشاط مكثف للجماعات الراديكالية المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط، ثانياً معطيات ثقافية مجتمعية حيث صعدت الأبعاد الطائفية والعرقية والأقليات إلى الواجهة بطرق تهدد الاستقرار الجغرافي لدول المنطقة، ثالثاً معطيات التحول الديمغرافي حيث تضاعفت ظواهر الهجرة الشرعية وغير الشرعية وفتحت على أوروبا والعالم موجات هجرة شكلت خطراً سياسياً.

هذه الحقائق تثير أسئلة المستقبل للعالم العربي الذي اجتمع قادته قبل أيام في الأردن في إطار الجامعة العربية التي لم تكن قادرة على تقديم حلول واضحة في أي من الأزمات العربية التي اجتاحت المنطقة قبل سنوات، لقد أصبحت المتطلبات العربية كثيرة ومتعددة بين متطلبات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ولكن الخطر الرئيس على هذه المنطقة يتمثل في كون العالم يراها مهدداً الاستقرار العالمي وهذا هو المنعطف الذي يجب أن يشارك العرب في تفنيده والقضاء على مصادره عبر تحقيق الاستقرار في المنطقة، ليبقى السؤال كيف يمكن للعرب أن يمارسوا دورهم كمكون سياسي إقليمي فاعل في تحقيق الاستقرار العالمي وبناء مجتمعات ذات رؤية إيجابية تجاه أوطانها وتجاه العالم.

على العالم أن يدرك أن أزمات العالم العربي في منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى شراكة دولية لإعادة ترتيب المنطقة وبناء نهج الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى الثقافي، فالتدخلات الإيرانية في المنطقة العربية وتوجهاتها نحو تعزيز الطائفية تحتاج إلى إيقاف دولي بالإضافة الى إعادة النظر في التسلح النووي الإيراني.

القضية الفلسطينية، مواجهة الإرهاب، التدخل الإيراني، إعادة بناء تحالفات جديدة، إطلاق الإمكانات البشرية والتعليم الجيد، المشاركة الشعبية الفاعلة، وإصلاح المنظمة العربية الأكثر أهمية (جامعة الدول العربية): هل يمكن للعرب أن يتجاوزا تلك المشكلات؟ هذا سؤال تاريخي ولكن هذه المرة الإجابة على هذا السؤال لا تحمل خيارات متعددة فالخيار الوحيد للإجابة هو إما العمل لتغيير النظرة لهذه المنطقة العربية كونها مرتعاً للمشكلات وعدم الاستقرار أو مواجهة المشكلات بمزيد من عدم الاستقرار، لقد أصبحت المهمة العربية اكثر وضوحاً ودور الحكومات والشعوب يتطلب بناء نهج استراتيجي فاعل، وخلق منظمة سياسية إقليمية تدير دفة العمل العربي وقبول الشراكات العالمية والإقليمة وبناء تحالفات اقتصادية وثقافية وتحقيق إصلاحات مجتمعية.