مثلت مخطوطات الجزيرة العربية وخصوصاً الحرمين الشريفين محط اهتمام الباحثين والمؤلفين في سبر أغوار تاريخها وكشف جوانبها الخفية.

ويرجع هذا الاهتمام بهاتين المدينتين لكونهما تمثلان أفئدة المسلمين في جميع بقاع العالم.

وتأتي الرحلات من أهم المواد التي يمكن الاستفادة منها في إبراز ذلك المخزون المضيء والرائع.

قام الأستاذ محمد رضا الأنصاري بتحقيق هذه الرسالة النادرة ضمن مجلة ميقات الحج الصادرة في جمهورية إيران الإسلامية.

بداية بين الأستاذ المحقق محمد قيمة هذه الرسالة المخطوطة بقولة:

«هذه الرسالة تتحدث عن قضية تاريخية حدثت عام 1039ه بمكة المكرمة وهي هطول أمطار غزيرة يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان المعظم، فتجمعت في وديان مكة وشعابها، ومن ثم توجهت على شكل سيول مدمرة صوب قلب مكة أي المسجد الحرام والكعبة المشرفة، فامتلأت ساحة المسجد الحرام وأروقته بمياه السيول، بحيث عجز الناس عن الطواف والصلاة، ثم ازدادت نسبة الماء حتى بلغت عتبة الكعبة الشريفة فدخلها مما سبب في تصدعه أركانها، فانهارت وسقطت معها جدرانها، وعلى اثر هذا السيل قتل 442 شخصا بينهم ثلاثون صبيا مع معلمهم حيث كانوا متحلقين حوله في المسجد الحرام يعلمهم القرآن. وبعد أن توقف اندفاع مياه السيول صوب المسجد الحرام، وتم إخلاء المسجد من الماء المتبقي فيه، شرعوا في تقييم الخسائر، والسعي في إعادة بناء البيت العتيق، فانتدب الباب العلي ناظراً ليشرف بنفسه وبمعاونة أمير مكة وقاضيها على إعادة بناء البيت، وكان من حسن حظ مؤلف رسالتنا هذه وتوفيقه أنه كان من المشاركين في بناء الكعبة، وقد شرح في رسالته تفاصيل الحدث بدقة وحسب الأيام، ثم تحدث عن بناء الكعبة المشرفة ومساهمته في ذلك،وأنه كيف تمكن بلباقة وذكاء أن يدخل نفسه وجماعة من المؤمنين ضمن المجموعة العاملة في بناء البيت، هذا فضلا عن أن المؤلف عقد فصلين تحدث فيهما بإسهاب عن الكعبة وما بداخلها وما يتعلق بها وبالمسجد الحرام من الأبواب والأساطين والمآذن والأركان وسائر الأماكن المقدسة فيه كالحجر ومقام إبراهيم وغيرها. ومصنف هذه الرسالة هو المولى ميرزا زين العابدين بن نور الدين علي الحسيني الكاشاني من علماء الإمامية في القرن الحادي عشر، هاجر من بلاده إلى مكة المكرمة، فاختار جوارها، وكان بيته مواجها لأحد أبواب المسجد الحرام ومقابلا للكعبة، تتلمذ عند المولى محمد أمين الاسترابادي (رأس الإخباريين المتأخرين، والمنظر العنيد للمدرسة الإخبارية، ومؤلف كتاب الفوائد المدنية) وورد ذكره في «رياض العلماء» ج 2/399، و«حديقة الشيعة» لعبد الحي الرضوي، كما نقل العلامة المجلسي في «بحار الأنوار» ج 107/14 إجازته الروائية التي أعطاها لتلميذه عبد الرزاق المازندراني، ومن المؤسف أن هذا السيد الشريف، والعالم الجليل،والمهاجر في سبيل الله، والمجاور لبيته العتيق، والمشارك في تجديد بناء قواعده، نالته يد الغدر والخيانة.. ممن كانوا يضمرون الحقد والبغضاء لمبدئه، فتوفي رحمه الله شهيدا صابرا محتسبا بمكة المكرمة، (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). اعتمدنا في طبع هذه الرسالة على نسخة في (كتابخانة مجلس شورى إسلامي، راجع فهرست مخطوطات كتابخانة مجلس شورى إسلامي ج 12/70) وهي من الورقة 42 لغاية 57 بخط نستعليق من خطوط القرن الحادي عشر.

ولهذه الرسالة عدة ترجمات إلى اللغة الفارسية (مخطوط رقم 86 في كلية الآداب - بجامعة طهرا ن، مخطوط رقم 8133 مكتبة السيد المر عشي بقم) ولها تحرير ثان باللغة العربية كتبه فتح الله بن مسيح الله وسماه ب(أبنية الكعبة). ويبدو أن ناسخ رسالتنا هذه لم يكن يجيب العربية، فقد وقع في هفوات كثيرة خاصة فيما ذكره من أشعار لم نعثر على مصدرها، حاولنا قدر الإمكان إزالة العجمة عنها .

وقد جاءت هذه الرسالة المحققة في أربع وعشرين صفحة ضمن صفحات هذه المجلة التي تعنى بالحج والديار المقدسة.

وكان المؤلف قد قسم أبواب رسالته في عدة فصول منها:

الفصل الأول: في سبب سقوط الكعبة المعظمة - زادها الله مرتبة وتعظيما - وكيفية بنائها.

الفصل الثاني: في علة بناء الكعبة في الأرض، وبدء الطواف بها، وذكر صفة الكعبة المشرفة، وطولها وعرضها وارتفاعها من خارجها وداخلها وسقفها وأساطينها، وغلظ جدارها، وبابها وسلميها الداخل والخارج، والحجر، والميزاب، والحجر الأسود، والحطيم، والمستجار، وكسوتها الخارجة والداخلة، وشاذروانها، ومطافها، والمقام والمنبر.

الفصل الثالث: في ذكر صفة المسجد الحرام، وأبوابه وأسمائه، وأساطينه، وما فيه من القباب في صحن المسجد، وفي رواقه، وصفة زمزم الكرم.

الخاتمة: في صفة الأمكنة المشرفة التي بمكة المعظمة - سوى ما ذكر - مثل المولد الشريف لسيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) ومولد سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها، وعلامة مرفقه الشريف في الحجر المبني، وذكر الجبانتين المعلى والشبيكة،وما في المعلى من قبور أهل الصلاح، والكلام على نثرها وسجعها يوم الأربعاء سابع شوال عام ألف وأربعين. وألتمس من إخوان الصفا وخلان الوفاء إذا نظروا فيها ورأوا خللا يصلحونه، ويذكرونني بالخير، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، إلا من عصمه الله في كل امة، وجل من لا فيه عيب وعذر، وحسبنا الله ونعم الوكيل.