لم يمر في تاريخ البشرية أن بلغ الإنسان مستوى من الحضارة كالذي نعيشه الآن. سيارات ذاتية القيادة، استمطار صناعي، منازل ذكية، طابعات ثلاثية الأبعاد، حيوانات ونباتات معدلة وراثياً وغيرها، ولاتزال العجلة تدور، والمستقبل يحمل المزيد من التطور المادي، والكثير من الانكماش الروحي.

إنسان هذا العصر يرتدي الملابس الأنيقة التي صنعها من مختلف المواد، ويأكل ألذ الوجبات بفضل محسنات الطعام المبتكرة. روض كل ما حوله لخدمته، واستخدم جميع عناصر الكيمياء التي اكتشفها ليجعل حياته أكثر رغداً ومتعة.

ولكن وسط هذه الحضارة الباذخة، وتحت تلك الملابس الفاخرة، مازال جلده يلف روحاً بدائية خشنة الطباع، لم تتطور كثيراً مع نمط الحياة التي حوله. قد يبدو حضارياً في الظاهر، لكن ما أن تحكه الظروف، حتى يخرج المارد الهمجي الذي بداخله. ولذلك يقول تركي الحمد: "ترقّي الإنسان حقيقة ولكن في كل ما هو خارج ذاته، أما الذات في أعماقها وتلافيفها فما زالت وحشية الطباع، بدائية".

تأمل "رياضة" الملاكمة والجماهير التي تصرخ مشجعة كل مصارع بإيقاع أكبر قدر من الألم على خصمه، تستفز نشوتَها كميةُ الدم المراقة على الحلبة، هؤلاء الجماهير هم ذاتهم الذين كانوا يصرخون في حلبات القتال الرومانية 200 سنة قبل الميلاد.. لم يتغير شيء!

عندما تزور فيينا، أو براغ، أو أمستردام، خصص وقتاً لزيارة "متحف العذاب"، وإذا استطعت أن تكمل جولتك فيه، فستعرف إلى أي مدى من الممكن أن ينحط الإنسان الحديث بقيمه ومبادئه، فالكائن الذي صنع الحضارة الأكبر على وجه الأرض، هو المخلوق الأكثر انحطاطاً، عندما يتعلق الأمر بقدرته على إيذاء غيره.

بدائية الإنسان لا تقتصر على العنف فقط، فالعنصرية أيضاً هي إحدى الممارسات التي تثبت أنه يراوح في وحل التخلف الروحي، إذ ما زال الإنسان، يتعامل مع غيره بازدراء، وكراهية، لمجرد اختلاف عرقه، أو معتقده، أو لونه، أو جنسه، ولا تحاول أن تبرئ نفسك من تهمة العنصرية، إذ إن غالبنا يحمل قدراً منها في داخله دون أن يعلم، وظهورها علناً يحتاج فقط إلى الظرف المناسب.

وأخيراً، علينا أن نراقب ذواتنا جيداً لنعرف مدى تحضرنا، فإن كانت لديك نزعة عنصرية، أو كنت تستمتع بمشاهد العنف، أو حتى لم تعد تكترث لمعاناة الآخرين، فأنت لا تختلف كثيراً عن جماهير المصارعة الرومانية، الذين كانوا يضربون بأرجلهم مدرجات الحلبة لاستفزاز المصارعين.