يعد مرض الشك من بين الأمراض النفسية الشهيرة التي تسيطر على الإنسان، وهي جزء من الوسواس القهري، ولا يعد هذا المرض من الأمراض الخطيرة. إلا أنه بإمكانه أن يدخل الفرد في كآبة غير متناهية، كما قد يجعله مصدر إزعاج لغيره فيفقد علاقاته بعائلته، وأقربائه، وكل من حوله.

وفي ذلك تقول لمياء الحاج - مشرفة تربوية -: الشك تعريفه اللغوي: هو الْتِبَاس وَارْتِيَاب، وهو نَقِيضَ اليَقِين، أما تعريفه العلمي فهو حالة نفسية يتردد معها الذهن بين الإثبات والنفي ويتوقف عن الحكم، وتعريفه اصطلاحًا: هو الظن السيء أو الارتياب في الشخص وأفعاله وأقواله بما يناقض المعروف عنه، وتعريفه في علم النفس: هو مرضً نفسي يصيب بعض الأفراد ضعاف الشخصية أو من كان لديه شعورٌ بالنقص عن الآخرين، أو من كانت له خبرات سيئة في طفولته مع أحد والديه أو شخص مقرب إليه بمشاهدة أو سماع أو فهم خيانة حصلت، وإن زاد عن حده فيسمى بجنون الارتياب أو البارانويا باللغة اللاتينية، كل تلك الأمور قد تؤدي بالبعض ممن لديهم مشكلات نفسية ولديهم مشكلات في الشخصية ومشكلات في التواصل مع الآخرين بشكل سليم في أن يُــقدّم الظن السيء على الظن السليم أو حسن الظن.

وأضافت: للشك ثلاثة أنواع، النوع الأول الشك الطبيعي وهو: الشك المستند إلى دليل يدحض الرأي الآخر، النوع الثاني الشك الملازم لشخصية الإنسان، ويكون: سمة من سمات الشخصية الشكاكة، والنوع الثالث غير الطبيعي أو المرضي، وهو: الشك غير المستند إلى دليل أو إثبات، ويحتاج إلى علاج نفسي أو دوائي، ويرى علماء النفس أن هناك العديد من العوامل التي تساعد على ظهور الشك عند الفرد وبعضها كما ذكرنا سابقًا كاستخدام الأسلوب التعسفي في تربية الأطفال من قبل الوالدين والإسقاط المتمثل في أن يسقط الشخص أنماطه السلوكية السلبية على الآخرين، بمعنى المثل القائل: (كل يرى الناس بعين طبعه)، وهو مظهر من مظاهر عدم الثقة بالنفس وهذا تعود أسبابه إلى عهد الطفولة وتعامل والديه أو أحدهما معه، بالقسوة والتعذيب أو الضرب أو بالتربية المتناقضة، كما هو مظهر من مظاهر ضعف الوازع الديني والخوف من الله، وتعرض الطفل لخبرات نفسيه مؤلمة في مرحلة من مراحل حياته بأن يرى خيانة أحد الوالدين أو تأثر الطفل بالوالدين أو أحدهما ذوي الشخصية الشكاكة.

تهديد للأسرة

وذكرت الحاج: أن الشك من أهم أسباب الطلاق بين الزوجين، وذلك بنسبة (60%) تقريبًا، مضيفةً: هو سبب لتدمير العلاقات بين الناس وفي المجتمع كله، لذلك فإن الشك أساس خراب البيوت العامرة، والأساس في إفساد حياة أشخاص متميزين في أعمالهم وذلك بتدميرهم من قبل رؤسائهم أو من يعمل معهم بخلق الشك والريبة حوله، وغالبًا ما يقترن الشك بالظلم، لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ سورة الحجرات آية 12، ويؤدي التجسس على الآخرين للتأكد من فرضية الفكرة التي حيكت في النفس عنها، ثم يؤدي إلى الغيبة، وكل ذلك يؤدي الإثم. يكون بظلم الإنسان لنفسه وللآخرين، والذي يترتب عليه الندم الشديد بعد معرفة الحقائق المنافية لذلك الشك وتلك الفكرة، كما أن الشك من أحد أسبابه الاجتماعية الإشاعة التي تنتشر مثل النار في المجتمع ويكون سببها شخص مريض عنده غيرة وحقد من ذلك الشخص، ولقوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾ (القلم)، وإن تأملت هذه الصورة القرآنية في مظاهرها، وتعمقت فيما رسمه الله من أشكال هذه الصورة في السلوك مع الناس والمجتمع والأسر.

مظاهر الشك

ولفتت الحاج: أن من أشهر مظاهر الشك، الشك القاتل وتلفيق الأكاذيب وتزوير الأخبار وتضييع الحقوق والصد عن الحق وظلم الآخرين، والعجيب أن هذه المجالس قد يقدمها أصحابها باسم التربية أو التوظيف أو ترقية بعض الأشخاص أو لدواعي الأمن؛ فقد تتعدد المبررات وسوء الظن أو الشك واحد، التي تؤدي إلى اتهام الشخص بما ليس فيه، ومراحله عدة منها مرحلة التصور، ومرحلة الفكر، ومرحلة الإنتاج، ومرحلة التنفيذ، ثم أخيرًا مرحلة القناعة، وعلاج الشك يكون كما أمرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما صعد على المنبر ونادى بصوت مرتفع: "يا معشر المسلمين من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه.. لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه مَن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"، وكما قال أيضًا عليه السلام: إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرا لا أعرفه، وأخيرًا فالشك بعيد كل البعد عن الغيرة التي هي أيضًا على عدة أنواع منها ماهو محمود ومنها ماهو مذموم.

التربية المتوازنة

وقال محمد رياني -تربوي-: الشك هو شرخ أو خلل يحدث عدم إتزان داخل صاحبه مما يؤثر في تصرفاته من خلال نفسه أو مع الآخرين، ولاشك أن التنشئة لها الدور الأهم في بناء الصحة النفسية للفرد وتأتي مؤسسات التعليم والمؤسسات الاجتماعية مكملة لهذا الدور في بناء الشخصية المتكاملة للفرد، وبناء الأفراد من الأمور المهمة التي قد تغفل عنها الأسر والمجتمعات فيتولد عن عدم الاهتمام نفوس ضيقة أو غير مكتملة التركيب فتظهر على السطح منظومات مشاكل للفرد منها الشك حيث تتبلور عندما يكبر الفرد ويكون مسؤولا عن زوجة أو أسرة أو مرتبطا بعمل فتتأزم علاقته بزملائه أو أسرته أو مجتمعه، وهو من الحالات التي قد تؤدي بأصحابها إلى المهالك كقضايا الانتحار والطلاق وربما القتل لاسمح الله، أو حالات الانفصام في الشخصية أو الفشل العام في الحياة بشكل عام، ولا شك أن التربية المتوازنة القائمة على الدين والفطرة السليمة وتعاون المؤسسات المختلفة ذات العلاقة كالتعليم والمؤسسات الاجتماعية ووجود الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين علاوة على التنشئة السليمة داخل الأسرة، والتثقيف في هذا الإطار يكون شخصا سليما، والشك من المشاكل القديمة الجديدة وليس وليد اليوم أو مجتمع دون غيره فهو قديم قدم الإنسان ومرتبط بعلاقات المجتمع نتيجة عدة مورثات اكتسبها الفرد اكتسحت حياته وهزت حياته في الوقت الذي نطالب فيه بدور مستمر لبناء الإنسان من الصغر بناء سليما متكاملا.

دافع للجريمة

وقالت ريم الغامدي -مختصة نفسية-: الشخص الذي يتسم بالشك يجد صعوبة في التعامل مع الآخرين، ويعاني كثيراً في حياته، وقد يدفعه لارتكاب أبشع الجرائم، والشك يُصدع بناء الأسرة ويفكهها ويؤدي إلى الطلاق وممارسة العنف بكافة أشكاله، كما قد يؤدي إلى فقدان الوظيفة أو التوقف عن الدراسة بسبب السلوك المضطرب الناتج عنه الذي يصل إلى حد إزعاج الجهات الأمنية، وهذا الشك قد يكون عرضاً لأحد الاضطرابات النفسية كأن يشك بأن جيرانه يتعمدون إصدار أصوات لإزعاجه، أو أن أهله يضعون له السم في الطعام، أو أن زملاءه بالعمل يحاولون سرقة مستندات هامة من مكتبه حتى يقع في مشكلة مع مديرة ويتسببون في فصله وطرده من العمل، فهنا الشخص يعاني من اعتقاد جازم وخاطئ وراسخ غير قابل للنقاش ولا يمكن اقناعه بعدم صحته ويسمى تحديداً هذا النوع بضلالات الاضطهاد Persecutary Delusions، أو أن يشك بأن الآخرين يقومون باستغلاله وإيذائه أو خداعه، ويكثر من التذمر والشكوى من عدم إخلاص وتقدير المحيطين به دون وجود أدلة وبراهين على شكوكه، أيضاً استمرار الشكوى من كونه مظلوماً أو مجروحا، وكثرة المشاجرات والشك المستمر بزوجته عند تعاملها مع الآخرين أو العكس، وعدم القدرة على العفو والسماح.

غمامة سوداء

وقال أنس عاشور- مستشار اجتماعي وأسري -: إن مرض الشك هو كالغمامة السوداء الكثيفة صعبة الرؤية والتي بدورها تحجب الشمس، حيث تكون الحياة شديدة المرارة في ظل تواجده كما أنه يعرف بالوسواس القهري، ويتواجد الشك في أعماق الإنسان الداخلية، حيث لا يكتشف بالعين المجردة، لا يمكن رؤيته حتى من قبل صاحب المشكلة، وإنما ينشأ من منطقة مظلمة، مستظلاً بالنفس البشرية والتي تقوم على افتراضات وتوقعات خاطئة وغير منطقية للعقل والواقع، وتتكون صورة من الافتراضات والاعتقادات بأن كل الناس المحيطين سيؤون ويضمرون الشر لصاحب المرض، وتوقع الشر من كل الناس عامة له، كما أن عقل المريض متطرف لا يستطيع أن يرى التوازن في الأشياء، ولا يملك التقدير للمواقف، ومما يتسبب في زيادة هذا التوقع الخاطئ هي معادلة العلاقات بين البشر والقائمة على أساس عام بأن علاقة الإنسان بالآخر تقوم على التوقع والافتراض.

ولفت عاشور: أن العلاج يبدأ من الاعتراف به كمشكلة اجتماعية نفسية تحتاج إلى علاج، ثم يأتي دور المعالج الاجتماعي في مساعدته بالتخلص من هذه الآفة، ومن ثم توعيته والأسرة لإعادة الحب والثقة، وقد يحتاج مريض الشك في بعض الأحيان إلى عقاقير طبية لإصلاح كيمياء فاسدة في المخ أدت إلى حدوث الشك.

image 0

الشك شعور بالنقص وفقدان الثقة

image 0

الشك يمطر أفكاراً سلبية في عقل صاحبه

image 0

لمياء الحاج

image 0

محمد رياني

image 0

أنس عاشور