مذكرة الإصلاح كانت في حقيقة أمرها مشروعاً لـ (صحونة) الدولة السعودية وطلبنتها) قبل أن تخرج الحركة الطالبانية إلى الوجود.. خاطر فيها الصحويون بكل مكتسبات حركة الصحوة في الثمانينات، ونتيجة المقامرة في حال كسب الصحويون فرض الرؤية الصحوية على كافة مجالات الحياة في المجتمع السعودي، وأما الخسارة فسيكون ثمنها فقدان كل شيء.

خرج مشايخ الصحوة الإسلامية من المعتقلات السعودية في أواخر التسعينات الميلادية، ولم تخطئ العين الفاحصة شواهد التغيرات الحادثة في الفكر الصحوي منذ ذلك الحين.. وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. فقد شهدنا انفتاحاً غير مسبوق من قبل هؤلاء المشايخ في طرحهم الفكري والسياسي.. وكانت ضريبة هذا الانفتاح الانحسار الواضح في شعبيتهم بين مريديهم السابقين، وتحولهم من مرجعية دينية للكثير من تيارات العنف الإسلامي، إلى مثال واضح يضربه المنتسبون لهذه الجماعات في تدليلهم على سوء الخاتمة وبئس المصير.

بلاشك ان التغير الذي ظهر عليه مشايخ الصحوة يعتبر مظهراً إيجابياً، ومن واجب المجتمع السعودي بشتى فئاته أن يشجع عليه.. صحيح أن هناك من يشكك - بناء على شواهد معينة - على وجود تغير حقيقي في لب الفكر الصحوي، وأن التغير الحاصل ليس إلا تغيراً شكلياً نتج لأسباب سياسية بحتة، وهو بهذا يدخل في دائرة التقية السياسية إن جاز التعبير، غير أن الواقع يحتم في أن نترك أعمال القلوب لخالقها، وأن نكتفي بما يظهر على السطح من مؤشرات في سبيل الحكم لصالح الفكر الصحوي أو عليه.

إن التغير الإيجابي في الفكر الصحوي، لا يشكل إزعاجاً إلا لأرباب الفكر التكفيري، فهذا التغير أحدث هزة مرجعية في صفوف منتسبيهم.. صحيح أن هذا التغير لم يؤثر عليهم بالقدر الذي أثر فيه تراجع من يسمون بمشايخ الجهاد، غير أن الواقع يؤكد على أن التبدلات الصحوية كان لها تأثيرها على التكفيريين السعوديين.

غير أن الذي يزعج كل مهتم بحقائق التاريخ، ما ينتهجه بعض الصحويين من عملية تزوير فاضحة لماضيهم السياسي.. وما يرافق ذلك من عملية تجميل لوقائع كانت في حقيقة الأمر جرائم، فإذا بها تعد الآن نضالاً محموداً!

من ذلك ما طرحه الدكتور محسن العواجي في مقال نشره في منتدى الوسطية، وأكد عليه بنشره في موقع الساحة العربية وهو أكثر المواقع العربية أصولية وتطرفاً.. كان عنوان المقال: (الحرام الذي أصبح واجباً.. اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان).. والمقال في مضمونه ينتهي بالتأكيد على أسبقية العواجي وثلة من الصحويين بفكرة تأسيس جمعية لحقوق الإنسان في السعودية، وهو في ذات الوقت يتساءل عن الحكمة من تحريم هذه الجمعية عليه ومن معه في أوائل التسعينات من قبل الديني والسياسي معاً، وتحليلها في بدايات القرن الواحد والعشرين من قبل نفس الأشخاص الذين كانوا يقفون في وجهها.

وهنا أسوق ملاحظة مبدئية قبل الدخول في تفاصيل المقال، وهي أن حديث العواجي عن تغير الحكم في الفتوى من أقصى الحرام إلى أقصى الحلال، هو واقع بالفعل ولكن في غير هذا المثال، وإن كان قد وقع في أمثلة أخرى كثيرة، لعل أشهرها، فتاوى الصحويين الشهيرة بتحريم شراء الستالايت، ووجوب الإنكار على من قام بشرائه باليد فاللسان فالقلب، كان هذا في الماضي القريب، أما في الحاضر المنظور، فإن الصحويين أنفسهم يتسابقون على الظهور في شاشات القنوات الفضائية، ولعل أكثرهم ظهوراً هو الدكتور العواجي نفسه.. أما في الواقعة التي ذكرها الدكتور فلا تغير في الفتوى على الإطلاق كما سيتضح من سياق المقال.

يبدأ الدكتور العواجي مقاله بذكر قوله تعالى {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم}.

من الواضح أن العواجي يقصد بهذه الآية العلماء الذين حرموا عمل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية التي كان العواجي أحد المنضوين تحت عباءتها.. وهو بهذا يتهم علماء هيئة كبار العلماء بأنهم يفترون على الله الكذب، بمن فيها من علماء كبار في ذلك الوقت، وأقصد بذلك على سبيل المثال لا الحصر: علماء في وزن الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.. ومن فيها أيضاً من علماء في الوقت الراهن لم يقوموا بتحريم الجمعية الوليدة لحقوق الإنسان، ولنضرب مثالاً بالشيخ عبدالعزيز آل الشيخ والشيخ بكر أبوزيد.

يدل على ذلك كله قول العواجي في مقاله المشار إليه: "التلون في الموقف الديني مرفوض خاصة عندما تتبناه أعلى جهة رسمية في البلاد وعندما يدعي أنه حكم الله وشرع الله وأمر الله وقول الله.. وكيف أصبحت الجهات التي رفضت مصطلح (لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية) التي تبناها العلماء الربانيون بينما قبلت بلجنة "وطنية لحقوق الإنسان").

النص السابق للدكتور العواجي ينطلق من فرضية تتطابق (لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية) و(الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان).. غير أن الواقع يدلل على عدمية التطابق بين الحالتين المشار إليهما.. وذلك لعة أسباب منها:

1- لجنة الدفاع تنطلق من خلفيات خطاب المطالب ومذكرة النصيحة، فهي ليست عملاً بريئاً أريد به المصلحة العامة، بقدر ما هي في واقع الحال وسيلة ضغط على الحاكم السياسي لتنفيذ ما ورد في بنود المذكرة من رؤية متعسفة للإصلاح تقوم على فرض الوصاية الصحوية على تيارات المجتمع كافة في شتى أمور الحياة.

2- ولي أمر المسلمين وفقاً للمنظور السني، هو المالك لزمام السلطات في المجتمع، وله أن يوكل غيره في القيام ببعض هذه المهمات إن شاء .. وهو في واقع الحال لم يوكل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في أمر من الأمور التي ادعوا توليها، بل انه نهاهم عن ذلك بشكل واضح وصارم.

ونسوق هنا ملاحظة تتعلق بوصف العواجي للذين تبنوا لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية بأنهم علماء ربانيون، ويلزم ذلك بأن العلماء الذين وقفوا في وجه هذه اللجنة لا تنطبق عليهم صفة الربانية.. بل هم في رأيه يفترون على الله الكذب، يتضح ذلك كما أسلفنا من استدلاله بالآية القرآنية المذكورة في بداية المقال.

ولابد من التوضيح، أن العواجي قد تفاخر في مقاله بأن الشيخ عبدالله بن جبرين كان من المؤسسين لهذه اللجنة، غير أنه لم يذكر واقعة انسحاب الشيخ الجبرين من اللجنة بعد فترة قليلة من انضمامه إليها، بعد أن ناقشه في ذلك زملاؤه في هيئة كبار العلماء. وهذا التجاهل لانسحاب الجبرين له ما يبرره من ناحية التكتيك السياسي من قبل العواجي، فلاشك أن الكثير من الشباب الذين قرأوا مقال العواجي في الانترنت، لم يكونوا شهوداً على تلك المرحلة، فكان من الفائدة ذكر خبر انضمام الشيخ الجبرين لأعمال اللجنة، وتجاهل خبر انسحابه منها.

إن الكلام عن لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية، ينقلنا إلى ما حاول الدكتور العواجي أن يتناساه في مقاله، وهو أن اللجنة تأسست على خلفية مذكرة النصيحة الموجهة في الأساس للجالس على قمة الهرم السياسي في المملكة العربية السعودية.. وهذه المذكرة كانت في حقيقة أمرها مشروعاً لـ (صحونة) الدولة السعودية و(طلبنتها) قبل أن تخرج الحركة الطالبانية إلى الوجود.. فهي في حقيقة الأمر لم تكن إلا محاولة فاشلة خاطر فيها الصحويون بكل مكتسبات حركة الصحوة في الثمانينات، فهي تشبه المقامرة إلى حد كبير.. ونتيجة المقامرة في حال كسب الصحويين ستكون فرض الرؤية الصحوية السرورية على كافة مجالات الحياة في المجتمع السعودي، وأما الخسارة فسيكون ثمنها فقدان كل شيء.

انطلقت المذكرة من رؤية مفادها: "ان الحكم في المملكة يستمد سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وبعد ذلك انتقلت إلى القول بأن "ربط العلماء بمؤسسات ودوائر حكومية" قد أدى إلى "الحد من استقلاليتهم"، وكانت النتيجة المصاحبة للافتراضات السابقة المطالبة بـ: "فسح المجال لإنشاء هيئات وجمعيات مستقلة للعلماء والدعاة (الصحويين)".

من الواضح ان الصراع هنا يدور على من الأحق بمسك زمام المؤسسة الدينية السعودية، فالتقليديون ما فتئوا يحدون من الطموح الصحوي الذي يرونه في أحوال كثيرة غير متوافق مع الآداب الإسلامية التي تحدد طبيعة العلاقة بين ولي الأمر والعالم الديني.

في السابق كان الصحويون يرضخون لضغوط التقليديين على اعتبار انهم في نهاية المطاف يشكلون سنداً لهم في وجه الحكومة السعودية، وأما بعد حرب الخليج وما رافق ذلك من ارتفاع لشعبية الصحويين وانخفاض لشعبية التقليديين، فإن الوضع قد تغير، نتيجة لتغير موازين القوى.. من هنا، يبدو أن الموقعين قد رأوا أن الوقت قد حان لتنحية العلماء التقليديين من مكانهم وإحلال علماء الصحوة بديلاً عنهم.

على سبيل المثال يعيب الموقعون على المذكرة ما وصفوه بـ: "تحجيم وظيفة المنابر الشرعية كخطب الجمع والأعياد، ووسائل الإعلام و المحاضرات والندوات العامة، وذلك بالسعي لمنع الخطباء ذوي الوعي الشرعي والعلم بالواقع، وأصحاب النصيحة والرأي الشجاع من تسنم هذه المنابر (أي علماء الصحوة)، ومحاولة حصر هذه المنابر على من لا يحسن القيام بحق الكلمة وواجب البلاغ المبين (أي العلماء التقليديين)".

احتوت المذكرة على مطالب عديدة غير مقبولة، وعلى عكس ما يحاول أن يشيعه بعض مؤيديها، لم تكن المذكرة تطالب بالديمقراطية وفقاً لمفهومها المعاصر، فهذه الديمقراطية في المفهوم الصحوي هي تحكيم لغير ما أنزل الله، وهي بالتالي كفر أكبر مخرج من الملة.. غير أنهم طالبوا بحاكمية أهل الحل والعقد، بحيث يرجع الكافة إلى العلماء والدعاة (الصحويين) لتبيين الحكم الشرعي لسائر أمور الدين والدنيا.. أي أن الهدف النهائي هو بناء دولة ترتكز على نظام الحكم الثيوقراطي كما كان الوضع في أوروبا في القرون الوسطى.

كانت المذكرة تدور في الحقيقة وكما أسلفنا على حتمية فرض الرؤية الصحوية على المجتمع السعودي في كافة المجالات.. فقد استنكر الموقعون على سبيل المثال وجود لجان قضائية تحكم بين الناس حسب الأنظمة المقننة، مثل لجنة الأوراق التجارية، وطالبوا بأن يكون هدف الإعلام هو: "بناء الشخصية الإسلامية في الناس"، واستنكروا ما وصفوه بـ "المظاهر المنافية للآداب وسلوكيات المسلم كالتبرج وإظهار العورات في التلفاز وأصوات الميوعة والخضوع بالقول في المذياع"، وطالبوا كذلك بـ : "منع الجرائد والمجلات التي تروج أفكار الكفر والعلمنة والسفور والخلاعة"! وفوق هذا وذاك، وصفوا البنوك القائمة حالياً بأنها بنوك ربوية يجب محاربتها ووضع برنامج عملي لإقفالها، وإحلال ما أسموه بالبنوك الإسلامية بديلاً عنها!

وفي الصعيد الخارجي عاب الموقعون على الدولة ما وصفوه بخذلانها لـ : "الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر"، واستنكروا عدم قيام سفارات المملكة: "بما يفترض عليها من واجب الدعوة وإبلاغ رسالة إلى المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيهم"، وطالبوا بأن تكون علاقة المملكة بغيرها من الدول: "مبنية على حسن تعامل تلك الدول مع الدعاة والأقليات الإسلامية"!

كان رفض الحكومة لمذكرة النصيحة، وما رافق هذا الرفض من رفض أشد ضراوة من قبل المؤسسة الدينية التقليدية، دافعاً للصحويين بأن يقوموا بتشكيل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية.

من الواضح ان هذه اللجنة لم تكن لجنة حقوق انسان بالمعنى المفهوم على الاطلاق، فهي تنطلق في فهمها لحقوق الانسان من معنى يقتصر على فهم مؤسسيها الخاص للإسلام.

يتضح ذلك من نص البند التاسع من بيان اللجنة الثاني: تدرك اللجنة الفرق بين مفهوم حقوق الانسان، كما قررها الاسلامي (الإسلام)، ومفهومها في التصورات الأخرى غير الشرعية، ولا مجال لتفصيل ذلك هنا. مع ملاحظة أن هذا الفهم الخاص لحقوق الإنسان في الشريعة يتسم بالتطرف والغلو الشديد مقارنة بفهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين لهذه الحقوق، ولو قلنا بأن المقصود في حقوق الإنسان وفقاً لمفهوم اللجنة ليس إلا حق الإنسان الصحوي في اضطهاد الآخرين وقمعهم، فلن نكون بذلك من المغالين.

وأما العواجي فهو يرى أن اللجنة كانت لجنة حقوق إنسان حقيقية، ويبرر عدم تسميتها بهذا الاسم بقوله: ان اللجنة التي اقترحناها قبل عشر سنوات لم نسمها اسم لجنة اليوم الرسمية (حقوق الإنسان) مراعاة لخصوصية مجتمعنا واحتراماً لمصطلحات الشرع.

ويؤكد العواجي على أن اللجنة تزعمتها: شخصيات معروفة لم تكن مشبوهة ولا محل شك في ولائها للشرعية والمشروعية ومع ذلك فلم تتقبلهم الدولة بل انتفضت ضدنا بقضها وقضيضها.

وفي لقاء سابق له مع قناة الجزيرة أكد العواجي في سياق حديثه عن الدكتورين محمد المسعري وسعد الفقيه أن سفرهما إلى لندن واستقرارهما فيها: كان بتفويض من التيار الداخلي الاصلاحي وذلك لكي يكونوا وكما قال في المقابلة: مندوبين عن اخوانهم في الداخل (برنامج الاتجاه المعاكس، تاريخ 2003/7/5م).

وإذا تصفحنا اصدارات لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية بعد انتقالها إلى لندن سنجد أن من أهم اصداراتها كتاب (الأدلة القطعية على عدم شرعية الدولة السعودية). كان هذا الكتاب رافداً أساسياً تشكلت على أساسه العقلية التكفيرية السعودية الحديثة، والتي تبنت الارهاب كخيار لها في نقض المجتمع وهدم الدولة.

ويكفي أن نعرض المقاطع التالية من الكتاب كي نفهم بأي عقلية يفكر الشخص الذي اختاره الصحويون ناطقاً رسمياً باسم اللجنة: ولقد أصبح النظام السعودي منذ إنشاء المملكة العربية السعودية، وبعد سن نظام التابعية الكفري الخبيث، نظام كفر ولا جدال، فلاشك أن هذه الدولة السعودية دولة علمانية تترسم خطى الماسونية رضي بذلك علماء السوء أم أبوا، وما دام العواجي يحبذ الحديث عن حقوق الإنسان، فلنذكره بأن موقف اللجنة - في الكتاب نفسه - كان مؤكداً على تكفير الدولة السعودية بسبب انضمامها لهيئة الأمم المتحدة، ولتصويتها على مشروع قرارات المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان (والذي وصفه مؤلف الكتاب بأنه قد صيغ بطريقة مناسبة للسياسة السعودية!) وقد ورد بالكتاب: ليس هناك فرق جوهري بين هذا الكفر البواح (التوقيع على قرارات مؤتمر حقوق الإنسان) وبين الذي قبله (الانضمام لهيئة الأمم المتحدة) غير أن ذلك أصرح وأوضح.

هل لنا الآن أن نسأل العواجي: من هم الشخصيات المعروفة الذين لم يكونوا موضع الشك؟ من الواضح أنهم ذات الشخصيات الذين يعيشون في لندن ويصفون منفذي العمليات الانتحارية بأنهم شباب الجهاد!

يتفادى العواجي الاحراج الناتج عن هذا السؤال بمقال الحاقي نشره في الوسطية تحت عنوان: لجنة الدفاع مشروع جماعي.. لا عواجية ولا مسعرية ولا فقيهية. برر فيه اختيارهم لمحمد المسعري ناطقاً رسمياً للجنة بكون: تلك الخطوة التي اتخذناها على عجل مجاملين ثم دفعنا ثمنها لاحقاً. ويبرئ اللجنة من الفقيه والمسعري بقوله: وبمقارنة سريعة بين لغة البيان التأسيسي للجنة وأسماء مؤسسيها وسيرتهم المعروفة وبين طبيعة نشاط الأخوين (المسعري والفقيه) بالخارج ذات النبرة المعارضة الحادة اليوم يتضح أن ما ينسب اليوم للجنة الدفاع عن الحقوق من الخارج لا يمت بصلة لحيثيات إنشائها، ثم يقول: حق الجميع أن نبرئ لجنة الدفاع من هذه المخالفات حتى لو صدرت من أشخاص نحترمهم ويحترموننا في ذواتهم وينتهي إلى القول: فليعلم الجميع أن كل ما تبع اعتقالاتنا عام 1415هـ من نشاط سواء صدر من المسعري أو الفقيه مجتمعين أو منفردين في الخارج إنما هو من مسؤوليتهما الفردية. فماذا بقي من اللجنة يا دكتور محسن بعد أن تبرأت ممن وصفتهم بأنهم "مندوبون عن اخوانهم في الداخل"؟ وأين موقعك من الاعراب ما دمت لست من الموقعين الرئيسيين على البيان التأسيسي، ولست مندوباً رسمياً في الداخل ولا في الخارج؟

من المؤكد أن مصداقية المسعري في تمثيله للجنة المزعومة أكثر من مصداقية العواجي في تمثيلها. فموقفه القيادي فيها واضح وصريح، وهو من رضي الموقعون الرئيسيون بتعيينه ناطقاً للجنة ومندوباً رسمياً لها في الخارج، فهو بذلك الممثل الحقيقي لها. ويفترض في موقف العواجي في هذه الحالة أن يكون أكثر انسجاماً ووضوحاً مع معطيات الموقف، بحيث يعلن انضواءه الصريح تحت مظلة المسعري وحزبه الجديد الذي أعلنه مؤخراً بعد أن أعلن حله للجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية، أو يعلن براءته من المشروع برمته إن كان من العاقلين.

إن القفز على الحقائق التاريخية للأمور، لن تكون نتيجته كتابة التاريخ بشكل جديد كما يتمنى البعض.

بقي أن أشير إلى أن فهم الدكتور العواجي لحقوق الإنسان هو فهم خاص لم تتضح معالمه إلى الآن. فعلى سبيل المثال يقول الدكتور عن الشيعة في مقال شهير سبق له وأن نشره في منتدى الوسطية: لا يوجد مطلع يزعم ألا خلاف بين الشيعة والسنة، ولم أقلل من الضلالات التي تعشعش في جسد الأمة من الشيعة وغير الشيعة وأبرأ إلى الله من السكوت عليها مطلقاً فضلاً عن اقرارها والعياذ بالله.

وهو يرى ضرورة محاسبة عضو مجلس الشورى عبدالله آل زلفة وبوجوب عزله نتيجة لخلاف سابق دار بينهما على شاشة إحدى القنوات الفضائية! فهل هذه هي حرية التعبير التي يفهمها العواجي؟

بالاضافة لذلك فهو يرى أن من حقه أن يسم آحاد المسلمين بصفات التطرف وأن يسم نفسه بأنه المسلم الوسطي النقي، من ذلك قوله لعماد الدين مقدم برنامج الأوربت - حسبما صرح في منتداه الوسطية - حين سأله عن من يختار في مواجهته: فاقترحت عليه أن يبحث عن أشد القوم تطرفاً ثقة بما من الله علينا به من هداية للإسلام دين القوة والسلام فكرر طلبه فاقترحت عليه الدكتور تركي الحمد.

هل هكذا يتعامل داعي حقوق الإنسان من مخالفيه؟

لا أملك جواباً، غير أن العواجي في مقاله أكد على أن من يخالفه ليس إلا أحد ثلاثة: مزايد أو منافق أو مداهن، وكان قد أكد في تصريح سابق على أن العلمانيين هم أخطر على البلاد من الارهابيين، وحين انتقدته الكاتبة جهير المساعد مؤخراً قام بالرد عليها بمقال نشره في موقع الوسطية، كان عنوان المقال: (الخالة جهير زعلانة! أسأل الله لنا ولها حسن الختام)، وتهكم في المقال على الكاتبة بأسلوب فج، ووصفها فيه بأنها امرأة مسنة! وهذا الوصف، يعطي مؤشراً هاماً على الكيفية التي يفهم فيها العواجي حقوق المرأة.

وقبل ذلك بفترة كان قد كتب مقالاً موجهاً للكاتب أبو السمح كان عنوانه: (يا أبا السمح: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا...)، وتتمة الآية كما يعلم الجميع (قد كفرتم بعد ايمانكم)! ولا حاجة لعرض ما ورد في المقال، ففي العنوان دلالة كافية على المحتوى.

فهل هذا هو الحوار الذي يدعونا العواجي اليه؟

الغريب في الموضوع أن العواجي ينتقد المسعري كثيراً بسبب بذاءة لسانه مع مخالفيه! لا غرابة في ذلك، فمن الواضح أن العواجي يعتبر أن من الطبيعي أن يستخدم مع كل من يخالفه عبارات على غرار: دعاة العلمنة ومروجي السفور والانحلال الأخلاقي، ومنافق أو مداهن وأن يقول عن الليبراليين بأنهم بطانة سوء للحاكم متزاحمين على موائده وضيوف السهرات الحمراء هنا وهناك، وأنهم: أشباه المتردية والنطيحة وما أكل السبع.

لقد أحرق العواجي كل سفنه وبقي وحيداً يندب حظه على رمال شاطئ الآمال، فقد تبرأ من الوهابيين في قناة الجزيرة فتبرؤوا منه في كل مكان، وتبرأ منه الارهابيون وخذلوه في وساطته، وهو الذي كان يعول على هذه الواسطة الكثير في سبيل خلق مكانة سياسية له كوسيط بين الدولة وبينهم، ووصمه أحد القادة الارهابيين الكبار (يوسف العييري) بأنه "خبير الروث" وانه "غراب القوم" (كتاب: الحملة العالمية لمقاومة العدوان زيف وخداع وشعارات كاذبة)، ووصف الارهابيون السعوديون ادعاءاته بخصوص وساطته لتسليم أحد المطلوبين بأنها ليست إلا من الكذب البين المفضوح الذي لا يجرؤ عليه إلا قليل المروءة، ناقص الديانة (مجلة صوت الجهاد العدد الثاني عشر).

وعلى الطرف الآخر فإن دعاة الاصلاح الجدد لا يعدونه معهم، ولم يعملوا له حساباً أو قيمة، ولم يردوا على تصريحه في ايلاف، والذي حذرهم من خلاله من مغبة عدم مشاورته في البيانات الاصلاحية.

من حق العواجي أن يبحث عن الشهرة، ومن حقه أن يبحث عن المناصب طالما كان هذا البحث محصوراً بالوسائل الأخلاقية المشروعة، ولكن ليس من حقه أبداً أن يزور تاريخاً كنا له من الشاهدين.