يقال إنه إذا ما أردت أن تعرف معادن الرجال أجعلهم في منصب يتقاطع مع مصالح الناس. أذكر قبل فترة وجيزة أن أحد زملاء العمل تولى منصباً رفيعاً في أحد مؤسسات الدولة، فصرنا لا نراه فقلنا أنه مشغول وصار لا يتحدث إلينا فأعطيناه العذر أنه لم يعد لديه وقت، رغم أنني كنت متأكداً أننا منشغلون بأعمالنا أكثر مما هو منشغل، لكن قلت له العذر، لكنه تغير كلياً على "المستوى الأخلاقي"، فلم يعد ذلك الرجل البسيط المتواضع وأصبحت نظرته مترفعة على الناس بشكل ملفت. بيت القصيد هنا هو: هل هذه الظاهرة هي نتيجة لخلل في شخصية البعض أم يوجد خلل "بنيوي" في قيمة المنصب الإداري الحكومي لدينا والدور الذي يجب أن يقوم به من يتولى هذه المسؤولية؟ الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن القطع بها، لكن أكاد أجزم أن الهالة التي تعطى للمناصب الإدارية في بلادنا هي جزء أساسي من هذه الظاهرة وهي التي تجعل البعض "الذين في نفوسهم مرض" أن يجعلوا من منصبهم الإداري أداة يرون من خلالها أنهم اعلى بدرجة أو أكثر عن الناس.
هل يضيف لك المنصب أو أنت تضيف له، هل يصنع القوة لديك أم يجب أن تكون القوة داخلك، هذه التساؤلات هي التي تفرق بين مسؤول وآخر..
في العام 1994م كنت في جامعة "شفيلد" الإنجليزية وكان مطلوباً منا أن ننتظم في برنامج لمدة سنة للإعداد لبرنامج الدكتوراه وتفاجأت في أحد محاضرات طرق البحث أن مدير الجامعة هو من يقدم المحاضرة وأثناء الاستراحة كنت قريباً منه فقام بإعداد كوب من الشاي لي وقال تفضل. شعرت بالحرج لأني بالكاد وصلت للجامعة قبل أيام ومازلت محملاً بكل ثقافتنا الإدارية المترفعة التي لم أستطع فيها مقابلة مدير الجامعة خلال الأربع سنوات التي قضيتها في الجامعة إلا مرة واحدة وعن بعد.
لا أستطيع أن أكذبكم القول: إن هذا الموقف جعلني أفكر في معنى "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" (الرعد: 17) لأن الأصل في الأشياء أنها وجدت لخدمة الناس بما في ذلك "المنصب الإداري" وأن الفيصل هو إلى أي درجة سيحقق هذا المنصب الفائدة للناس وليس لمن سيتقلده. سأذكر موقفاً آخر حدث لي كذلك عام 2005م وكنا مجموعة من جامعة الأمير محمد بن فهد الأهلية نقوم بزيارة لجامعة في "مانشستر" وهي جامعة نشأت من دمج جامعتين سابقتين وتم اختيار مدير لها من جامعة "ملبورن" بأستراليا. عندما قابلنا الرجل كان بمثابة "مسؤول علاقات عامة" أكثر منه مدير جامعة ورغم أنه جديد على المكان إلا أن جميع الموظفين في الجامعة، كباراً وصغارًا، كانوا مبتهجين برؤيته أثناء جولته معنا.
هل يضيف لك المنصب أو أنت تضيف له، هل يصنع القوة لديك أم يجب أن تكون القوة داخلك، هذه التساؤلات هي التي تفرق بين مسؤول وآخر. قبل شهر تقريباً كنت ممتحناً لطلبة العمارة في جامعة الكويت وكان ضمن برنامج زيارتي للجامعة مقابلة لمدير الجامعة الاستاذ الدكتور حسين الأنصاري. عندما التقينا صرنا نتحدث عن مشاكل أكاديمية وثقافية كثيرة وفجأة قال لي "أن مدير الجامعة يجب أن يكون وضعه مختلفاً"، قلت له كيف؟ قال: إن "بهرجة المنصب في بعض المجتمعات تجعل من مدير الجامعة أكثر من مجرد مسؤول عن مؤسسة أكاديمية" وأردف "وهذه ليست موجودة في الكويت".
لقد فهمت من كلامه أنه هذه البهرجة لا تتناسب ابداً مع مؤسسة أكاديمية فهي تفصل من هو على رأس الهرم عما يحدث في الجامعة فعلاً، وهذا ما يحدث عندنا للأسف. هذه المبالغات الغريبة في "تقديس المناصب" الإدارية العليا لدينا من وجهة نظري هي السبب الرئيس في الخلل الإداري العام الذي نعيشه، لأنه أوجد نوعاً من الإحساس بالملكية لدى الإدارة العليا للمؤسسات التي يديرونها وصاروا يشعرون أن من يعملون في هذه المؤسسات هم موظفون لديهم وليسوا زملاء لهم، فصار من المستحيل أن يبدي موظف بسيط ملاحظة على من يرأسه وأصبح مفهوم "الطاعة العمياء" هي أساس التقييم وليس الأداء والتطوير.


1
حسن مطيع
2017-02-07 15:01:30السلام عليكم، ان المسؤولية تفرض على من يستلمها ان يعي معنى ما وُضِع فيه من مكانة ليقوم بخدمة الذين نصب عليهم لكي يقدم الخدمة المناضة به. لذلك ورد الحديث " كلكم راعي وكل راعي مسؤو عن رعيته". ومن هذا المنطلق ينبغي على من يستلم موضع اداري ان يكون ذو اهلية لما كلف به، ليلمس فيه انه جدير بهذا المنصب.
2
2017-02-04 13:55:05متى ماكان المنصب يوظف لكسب المنافع الشخصية ؟! أتصبح الشليلية الفيصل في رسم منافع وترويج فكر ( الزين عندنا والشين حوالينا ؟! ) المنصب وضع ليخدم تنمية البلد ويرتقي المسؤول من خلال مسؤولياتة بالعمل وبالمنجز .. ليكون خامة صالحة تترجمها عبارة ( المكان الصح للأنسان الصح ) كم لنا تجارب عالواقع لمسؤولين كانوا بيننا..يضرب بهم المثل مع المصداقية والمهنية ؟ والعكس صحيح خلل مسؤولون كثر في مناصبهم؟! لم نلمس منهم الا تفشي محسوبيات وتعالي قيمة الفساد في البلد وتزايد التستر والعمالة ؟! تحياتي للكاتب
3
2017-02-04 12:59:44احنا مشكلتنا تقديس من يتقلد المنصب وسم طال عمرك وفديتك والكثير من عبارات النفاق والدجل والمسؤول يصدق انه جاب الذيب من ذيله ولايدرى انه فى المنصب بتدبير العزيز الحكيم وليس بجده واجتهاده .
4
2017-02-04 08:57:23الرئيس بيل كلينتون ، اشترى من احد المتاجر ، وبعد ان انتهى ناول البائع بطاقته الأتمانية وحين مررها البائع اتضح له بأنها منتهية ( تناول الاكياس من امام الرئيس ) وقال له ( مرة اخرى عليك سيادة الرئيس ان تتاكد من صلاحية بطاقاتك ) ابتسم الرئيس وقدم اعتذاره ، وغادر وبشكل طبيعي .. توقعاتك ولو انه ( على بند الاجور ) عندنا ، بس في إدارة ذات علاقة مباشرة مع الجمهور ( علييه بالملازيم ان تاخذ غرضانك ، وان كان ناقصك دارهم لا يردك الا لسانك ) اما الي بالرابعة عشر(يكنس المحل ان بغى ) هذا الحاصل
5
2017-02-04 08:47:15نحن السبب ، ان أردت الحقيقة ( يدخل احدنا ) وهو ابتسامته تسبقه ، وعلى طول يطمر الا هو حب لأنف المسؤول حتى في الشارع لم يسلم المسؤول ، يتلقفه الناس حتى يتراود له بانه شخصية ( مختلفه ) عن الآخرين ، نعم يجب ان لا نكون ( لزقة ) عند المسؤولين ، ولكن يجب حين يكون لدينا امر مهم ان نقابل المسؤول بشكل طبيعي ، وان نعرف مالنا وما علينا ، اذ ليس مستغرب مثلا ان لا تقابل مدير الجامعة ( فما حاجة ان تقابله ) لا يعقل ان تكون مجرد رغبة وإلحاح فقط لأجل المقابلة ( وإنما في حال ان يكون لدينا مهمة ان نقابل ولا نبالي )