رواية «عام الريح» لأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الملك فهد د. مصطفى الحسن والصادرة عن دار مسكلياني، استعادت نكهة جدل التيارات والتي كان سمة الروايات السعودية في مرحلة سابقة. والرواية تنهض على المأزق الجسدي ويتمثّل في مرض بطل الرواية وكذلك على المأزق الفكري الذي يلعب فيه البطل دور الراصد واحياناً يكون شريكاً في هذه الحوارات المنهكة للروح. مؤلف الرواية وبرغم أنها تجربته الروائية الأولى إلا أنه من خبرته الأكاديمية في جعل الرواية تتماسك على المعرفي والمعلوماتي. وفي هذا الحوار مع د. مصطفى الحسن نتعرف على تجربته في كتابة رواية عام الريح.
في المشهد العربي السردي هناك سمة مشتركة بين أغلب من كتبوا الرواية ممن يحملون الدكتوراه، وهي أن رواياتهم غالباً ما تكون مثقلة بالهم المعرفي والمعلوماتي، بحيث تصبح تلك المعرفة والثقافة عبئاً على النص. كيف ترى هذا الجانب في ما يتعلق بروايتك "عام الريح"؟
ربما تكون هذه سمة الكثير من الروايات حتى غير العربية، خصوصاً حين يكون الروائي مثقفاً أو مهتما بالتفلسف. وهناك دعوة إلى أن يكتب الروائي بعيداً عن محيطة، وفي ظني أن هذا ما تعنيه. الحضور المعلوماتي في عام الريح لسبب رئيسي هو أن طارق بطل الرواية والمصاب بمرض قاتل، يستخدم المعلومات كإحدى أهم الدفاعات أمام مواجهة شعوره، وشخصيته منسجمة مع هذا الأمر. وفي العموم فإن استعمال المعلومات كدفاع أول أمام مواجهة الشعور هو أمر ليس نادرًا أمام من يواجهون ما واجهه طارق، لذلك فحضور المعلومات ليست استعراضاً أو تعبيراً عن الروائي بقدر ما يؤدي وظيفته الرئيسية في الرواية.
الحالة العلاجية لبطل الرواية استأثرت بمساحة كبيرة من السرد ففاضت الرواية بالتفاصيل العلاجية والطبية. أليس هذا على حساب التفاصيل الأخرى من الحكاية؟ ألا تعتقد أن الإسراف في توصيف الحالة المرضية تدخل القارئ في حالة من الملل؟
كان من المهم أن يشعر القارئ بأن مرض طارق مرضٌ حقيقي، بمعنى أنه ليس شيئاً تخيله الروائي واخترعه على الورق في لحظة عابرة، لذلك استغرقت في البحث عنه والقراءة والسؤال واستشارة الأطباء وقتاً ليس بالقصير. هذه حالة متكاملة، وفي مثل هذه الأمراض يكون التشخيص جزءاً رئيسياً من تحولات الشخصية ومن تشكلات المعنى. لذلك حرصت على أن تأخذ مساحتها اللازمة.
شخصية الطبيب النفسي هي من أصعب الشخصيات التي يمكن كتابتها في الروايات، لأن تلك الشخصية تم تنمطيها سينمائياً وسردياً، لذلك فقد بدت شخصية الطبيب معن قريبة من النموذج المتوقع. في تصورك، ما الإضافة التي تم تقديمها لتلك الشخصية في روايتك؟
أتفق معك في صعوبة الكتابة عن شخصية الطبيب، وأختلف في مكمن الصعوبة. في عام الريح اتبعت خطى التحليل النفسي الفرويدي، وفي هذه الحالة تكون للطبيب سمات بارزة، أهمها أن المريض لا يعرف عنه شيئاً سوى ما يراه داخل العيادة. وهذا تحدٍ كبير لأي عمل فني، فحتى تكون مخلصاً للجانب المعرفي يجب أن تجعل الطبيب شخصية مسطحة غير مؤنسنة، وهذا قد لا يعجب القارئ، لذلك تلجأ الأعمال الفنية الروائية والسينمائية إلى إيجاد بعد آخر له من خلال تطور العلاقة بينه وبين المريض على سبيل المثال، لكني لم أرد ذلك، أردت أن أقبل التحدي وأن أكون مخلصاً في نقل ما يحدث في العلاج بالتحليل النفسي، من خلال جعل شخصية الطبيب مسطحة وغير مؤنسنة، وجعل القارئ يلتزم زاوية المريض في رؤية الطبيب، وألا يبدو له شيئاً غير ذلك.
في الرواية السعودية، ومنذ زمن روايات الراحل غازي القصيبي وتركي الحمد، يتكرر استحضار الجدل الفكري بين التيارات بصورة نمطية وقد يكون هذا عائداً إلى كون الروائي السعودي لديه مجموعة من الحوارات والمواقف الجاهزة التي يضمنها روايته، وفي عام الريح وجدنا تلك النقاشات وذلك الجدل يتكرر في مجلس العم أحمد. ما رؤيتك حول هذه النقطة؟
صحيح أن الرواية في الثمانينيات والتسعينيات امتازت بالجدل الأيديولوجي، وقد كان نقلاً للصورة من طرف في ذاك الجدل، وفي ظني أننا الآن أصبحنا على مسافة من تلك الحقبة نستطيع أن نقدم شهادتنا عليها، بل إن واجب العمل الروائي أن يقدم شهادة وجودية ووجدانية على الواقع، فالفرق أن عام الريح لا تقدم جدلاً أيديولوجيا وإنما شهادة على حقبة مضت، دون التحيز لأي طرف. وهي أيضا لا تستدعي تلك الحوارات الجاهزة في تلك الأعمال الروائية، بل تحاول أن تشق طريقاً جديداً في نقلها.
رغم الحالة المرضية لبطل الرواية، إلا أنه يعيش حياة مرفهة، سواء في ارتياد المقاهي أو السفر او حتى تذوق الأغاني. أرى أن هذه العافية الذهنية والسلوكية لا تتناسب وحجم التعب الجسدي في حياته. كيف تمت موازنة مثل هذه المسألة في روايتك؟
ليس الأمر كذلك، فارتياد طارق للمقاهي كان قليلاً، بل إنه انقطع عنها حتى قبل تشخيص المرض، سوى في حالات نادرة جدا كما يحدث في الواقع، أما السفر فكان أيضا في بداية خطوبته وهي سابقة على تشخيص المرض.
الموسيقى والأغنية أمرها مختلف، وكما تحدثنا سابقاً عن استعماله للمعلومات كوسيلة دفاع، فهي دفاع يتهالك مع الوقت ويتم استبداله بدفاعات أخرى، وفي حالة طارق كان الفن هو الدفاع الجديد، وهي أيضاً حالة شائعة بين من يواجهون مرضاً قاتلاً، ليس الغناء تحديداً، وإنما الفن بالعموم، بعضهم يغرق في الألوان وبعضهم في الموسيقى وبعضهم في الروايات وبعضهم في الأعمال السينمائية.
قد يرى البعض أن شخصية منال كانت شخصية باهتة نوعاً ما، خاصة في الجانب العاطفي. بهذه الرؤية تجاه تلك الشخصية، ألم يكن من الأفضل الاستغناء عن حضور المرأة في الرواية؟
مثل حالة طارق المرضية أو حتى في أي تحول ضخم في حياة الإنسان يحدث نوع من الفك والتركيب في العلاقات. في عام الريح حرصت على معالجة هذه الفكرة، منال هنا تقدم نموذجين، الأول هو الفك والتركيب الذي يحدث في علاقات طارق، ولم تسمح مساحة الرواية بإيجاد شخصيات أخرى كأصدقائه مثلاً، لكنني حرصت على تطوير هذه الفكرة في عدة علاقات، علاقة أبي طارق مع العم أحمد، وعلاقة الأستاذ عبدالعزيز مع الإله، والفك والتركيب الذي حدث للمجتمع بفعل الزمن الطبيعي، لذلك فمن غير الممكن فهم ما يجري من تحولات لطارق دون حضور منال، ودون فتح باب خجول ومفتوح للتأويلات مع منيرة.
النموذج الثاني الذي تقدمه شخصية منال هو الفك والتركيب الذي يحدث للدائرة القريبة من المريض، والذي لا يتم تسليط الضوء عليه في العادة، لكن يجب ألا تنس أن شخصيتها في هذا العمل ثانوية وليست رئيسية. كما أنني لا أرغب في الاستهانة بثيمة الحب بينهما، فهي تقدم نموذجاً مغايراً عن السياق السينمائي الرومانسي.


التعليقات