يمثل نموذج المرحلة الانتقالية في المجتمع من الإمارات العربية المتحدة، جابر جاسم (1952 -2001)، الذي تحفظ له الذاكرة الخليجية أغنيتي "سيد ساداتي" للشاعر أحمد الكندي (1940- 1985) منشدا على الربابة، و"غزيل فلة" للشاعر عتيق الظاهري (1940-1984) حيث شدا بهما في حفل افتتاح دورة كأس الخليج الثالثة بالكويت 1974.
يتسم صوت جاسم بالحساسية والتعبيرية، ونقيضه، مواطنه ومجايله، عبدالله بالخير، المتسم بالشعبوية والاحتفالية حين انطلق بـ"يا علاية" (1974) (إبراهيم جمعة- يوسف المهنا)، فحقق كلاهما، دعامة ما بعد روّاد الأغنية الإماراتية، من بعد حارب حسن وعلي بالروغة ومحمد سهيل، وتمكنا،إنجاز تجربة، تمثل حالة الانتقال، المتمثلة 1968 بتأسيس مجلس حكام الإمارات المتصالحة ومكتب تطوير اقتصادي وتنموي، والاستقلال 1971، وعودة المهاجرين من الخارج، وكان جاسم أحد من سافر للدراسة إلى قطر وأقام بها حتى عاد إلى بلاده 1966.
وقد تمثل في تجربة جاسم، تمدين الغناء الإماراتي، والتخطي به من أرشيف الفنون الأدائية: (الونة والردح والتغرود)، والآلية (المسحوب والهجيني والصخري) - دخلت الربابة 1962- والحركية (العيالة والحربية والرزفة)، ومن تجارب الرواد التي وفرت بعداً صوتياً وذوقياً باستخدام آلة العود والإيقاعات المجاورة، فلم تنعزل الأغنية الإماراتية عن التجارب السابقة لها سواء الأغنية الكويتية أو السعودية.
إذ عندما نعاين مجمل الفن القولي الذي اعتمد عليه جاسم، يعلو العدد لصالح النصوص على فن الردح، وتتقارب الفنون الآلية (المسحوب والصخري والهجيني)، ويتساوى معها فن الونة الذي يماثل (فن الطارش)، فلا فارق إلا بالوضعية جلوساً للأول أو ركوب راحلة للثاني.
ففي حين قام نص "سيدي يا سيد ساداتي" على فن الردح، فإن "غزيل فلة" على فن الونة، ووفق في فك مدارهما الوزني الثنائي والثلاثي نحو الرباعي، موسعاً فضاء الخطوط الصوتية في التعبير والحساسية، وهذا ناتج عن استماع مرهف إلى التجارب المنسية للفنان سعود الراشد (1922-1986) الذي قام بتلك المحاولات حينما وضع معادلة رياضية في الموازين المتشابهة ما بين فن الصوت الشامي والسامري النقازي والرومبا، واتبعها كثر. وتتجلى محاولة جاسم تركيب نص "الجفن حارب لذة النوم" (التغرود) تفريعاً على نص (الهجيني) في صوت "الحمد لك" (عبدالله الفرج).
وبهذا حقق تلك الصيغة الفنية القائمة عليها أعماله الغنائية، جامعاً بين عناصر فنية موروثة من ثقافتي البحر والبر، ومزجها مع ثقافة المدينة النامية، وهو بهذا يعيش بين ذاكرة الطارش وحالة الزكرت.


1
عادل البطي
2017-02-01 13:28:13الله يعطيك العافية أخوي أحمد الواصل ماقصرت بالشرح والتوضيح المفصل. مشكور
2
الجمل الاسود
2017-02-01 12:55:19موضوع جميل ورائع عن الفنان الجميل والاحساس الغير متكلف جابر جاسم وكنت اتمنى ان تشير الى اغنيتة صاح بزقر لمنادي برغم انني لا افهم بعض مفرداتها الا انها تحمل احساس عالي يذكرك برحيل الاحبة ايضا اغفلت ركن من اركان الاغنية الاماراتية وهو ميحد حمد ففي فترة من الفترات كان المطرب الاول في الدمام والخبر
3
2017-02-01 12:07:21كمستمعٍ متذوّق أعتبر جابر جاسم هو الفنان الإماراتي الأول الذي صنع لنا أغنية تستحق أن يُطلق عليها اسم "أغنية إماراتية" مستوحاة من ألوان البلد الفلكلورية ـ بالإضافة للملحّن الكبير عيد الفرج ـ ، ورغم أن معظم ألحان جابر بسيطة ومذهبية إلا أنها تصل لقلب المستمع وتستوطنه ، ومن الضروري أن دراسته الأكاديمية للموسيقى في القاهرة أثّرت في ذلك ، رحم الله جابر جاسم وغفر لنا وله .