يعد الاستقلال المالي لوسائل الإعلام عن الحكومات قيمة عالية تعزز من مصداقية الوسيلة وتحصنها من الاختراقات التي تحدث بسبب الضعف المهني للصحيفة وحاجة بعض الجهات لمنبر جماهيري يسهم في نشر أخبارها والدفاع عن أخطائها، لذا كان الاستقلال المالي شرطا أساسيا لبناء المصداقية، من حيث المنطق هذا كلام سليم، ومن حيث التجربة لا يمكن فرض هذا المنطق بشكل عام وشامل، فوسائل الإعلام تعمل وفق النظم السياسية التي تصدر بها، وكل نظام له شكل سياسي يختلف عن نظرائه في الدول الأخرى، النظام السياسي الحزبي، يقوم على المنافسة الحزبية ووسائل الإعلام تعمل وفقا لهذا النظام التنافسي، فانحيازها لحزب معين دون آخر يخل بمبدأ التنافسية الذي يقوم عليه النظام السياسي الحزبي، فبالتالي استقلال الصحف عن الأحزاب هو ما يضمن وجود تغطية صحفية موضوعية للحياة العامة.. ومن هنا ظهرت فلسفة سوق الأفكار والمعلومات التي تعمل بشروط الأسواق التنافسية، البقاء للأفضل..

في عالمنا العربي وخاصة الدول الخليجية، لا يقوم النظام السياسي على التنافس الحزبي، بل على بعد اجتماعي متداخل عرقيا مع كل شرائح المجتمع، أنتج هذا البعد صيغا مقبولة من الإدارات العامة التي تدير شؤون الدولة، والصحف جزء من هذا الواقع الذي يسمى نظاما عاما، فالقيادة في هذا النظام حريصة على توعية المواطن بحقوقه وواجباته، وكذلك المواطن يعمل على تعزيز أواصر الولاء للنظام السياسي، والصحافة يكون دورها الأساسي هو نشر المعلومات التي تزيد من وعي المواطن وحماية شرعية النظام، هذا الواقع يجعل من المؤسسات الصحفية مؤسسات وطنية أولا ومن ثم مؤسسات ربحية مستقلة ماليا، والتوازن بين هذين البعدين عمل شديد الحساسية والصعوبة، كيف يتم تحقيق المكسب المالي بعيدا عن الدعم المالي؟ أولاً لا بد من اعتبار أن عمل الصحافة ليس عملا مهنيا مستقلا يخضع لقانون المهنة، وإنما عمل وطني له صفة مهنية، وصفته الوطنية لا تجعل المكسب المادي أولوية مطلقة، بل يسبقها الاعتبار الوطني، وهذا شيء يثقلها ماديا، لأن هناك مصروفات مادية لا بد أن تتوفر حتى يستمر العمل، ومن هذه المصروفات العمالة الوطنية، التي يعد وجودها في هذه المؤسسات هدفا وطنيا يدعم مبدأ تشغيل العمالة الوطنية، فالمدارس الخاصة في المملكة بالرغم من أنها مدارس ربحية إلا أن الدولة تتكفل في نصف رواتب العمالة الوطنية فيها وفق مبدأ القضاء على البطالة، فالعامل الوطني وجوده هدف أساسي للتنمية واستدامتها.

الصحف تتعرض لأزمات مالية وهذا أمر طبيعي وسط تقلبات الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي سوف ينعكس سلبا على وجود العمالة الوطنية، وكذلك على قدرتها على الإنفاق الجيد لصناعة مادة جيدة تكون بمستوى التحديات الداخلية والخارجية، فصحافتنا هي بالأساس مؤسسات وطنية ولها دور مهم في إنجاح مشروعات التنمية وخلق حالة تواصل بين المواطن والمسؤول، فتقييم أوضاعها المالية من خلال لجنة حكومية لضمان استمرارها ودفعها نحو التحول التقني الذي أصبح سمة العصر يعد عملا وطنيا يضمن لنا وجود عمالة وطنية متخصصة ومعلومات عالية الجودة تكون بمستوى التحديات التي نمر بها.