لا يبدو الفرق واضحا بين الضّال والضلّيل في لسان العرب، وإذا كان الضالّ هو المنحرف عن الحق، المزورّ عنه، فإن الضلّيل هو من كثرت ضلالاته، وزاغ عن الطريق القويم، وينصرف، في الغالب، إلى الشاعر صاحب الغواية، والجهالة، والبهتان. ولا يخفى أن الأضاليل هي الأباطيل والأوهام والظنون، وبذلك نُعت امرؤ القيس، فهو الشاعر الضلّيل. ولعل العرب قد صرفوا النظر عن هوميروس للأسباب نفسها، إذ تغافلوا عنه، وأشاحوا بأبصارهم عن أشعاره، كأنه ضالّ أعمى وافد إليهم من بلاد بعيدة، فلم يلق أي ترحيب يُذكر من طرفهم طوال خمسة عشر قرنا، ولا يبدو امرؤ القيس بأقلّ ضلالة من "هوميروس" حتى ليظهر أن العربي شبح للإغريقي في الاسم والشعر، وظلّ له في الترحال والنعت، مع ملاحظة ما يحيط به من شكّ، ويحدق به من ارتياب. وإذا كان الأول قد تعهّر بشعره، فإن الثاني جاء بالمحالات الخرافية كلها. وفي وقت قُبل فيه العربي، وتبوّأ مقامه شاعر العرب الأول. أوصد أهل الضاد أبوابهم في وجه الإغريقي، وعزفوا عنه عزوفا شبه تام، غير أنه تبوّأ مقاما فاق مقام امرئ القيس في لغة قومه وفي كثير من لغات الأقوام الأخرى.

يصحّ القول في تقديرنا بأنه لم يضلّ شاعر كبير طريقه في أرض غير أرضه كما ضلّ هوميروس طريقه في أرض العرب، وما جرى قبول أشعاره في آداب العرب لأنها في نظامها المجازي، وفي مادتها السردية، وفي أسلوب المحاكاة، لم تأتلف مع طريقة القول الشعري عند العرب، ولا في طريقة التخييل الذي أخذوا به. فلم تتمكّن آداب العرب من قبول أي ضرب من القول الأدبي خارج على مألوفها في التركيب والأسلوب والغاية، فكأن عالم الملحمة عند هوميروس غريب كل الغرابة عن عالم الخيال العربي، فلا عجب أن يتعذّر على العرب هضم أشعار هوميروس لأن مفهوم الإغريق للأدب يختلف عن نظيره عند العرب، فضلا عن طرائق المحاكاة، وأساليب التمثيل.

تواطأ العرب على تعريف الشعر بأنه "قول موزون مقفّى يدل على معنى" فأخذوا بهذا الحدّ، وصرفوا النظر عن كلّ قول لا يمتثل له، فيما نظر اليونانيون إلى الشعر من زاوية التخييل، ونوع المحاكاة، وجعلوا الأوزان والقوافي في درجة ثانية من الأهمية. قال الفارابي شارحا الأمر" والجمهور، وكثير من الشعراء، إنما يرون أن القول شعر متى ما كان موزونا مقسوما بأجزاء يُنطق بها في أزمنة متساوية، وليس يبالون كانت مؤلّفة مما يحاكي الشيء أم لا، ولا يبالون بألفاظه كيف كانت بعد أن تكون فصيحة في ذلك اللسان، بل يؤثِرون منها ما كان مشهورا سهلا. وكثير منهم يشترطون فيها مع ذلك تساوي نهايات أجزائها. وذلك إما أنْ تكون حروفا واحدة بأعيانها، أو حروفا يُنطق بها في أزمان متساوية". غير أن "هوميروس شاعر اليونانيين لا يحتفظ بتساوي النهايات" كما قال الفارابي، أي أنه لا يراعي القوافي، وبذلك يكون شذّ عن حدّ الشعر عند العرب، ولم يكتف أبو نصر بذلك بل حدّد الركنين الأساسيين في مفهوم الشعر عند اليونان، وهما التخييل والتمثيل، وذكر الركن الثانوي وهو الوزن، فبالوزن يصبح القول الشعري أفضل غير أنه يحتفظ بشعريته من دونه، لأنه ليس من شروطه الأساسية، فالوزن ليس بضروري في قوام جوهر الشعر، وإنما يصير به الشعر أفضل "وأعظم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة، وعلم الأشياء التي بها المحاكاة، وأصغرها الوزن".

ولم يمر وقت طويل حتى فصّل ابن رشد مفهوم الشعر عند اليونان في سياق شرحه لكتاب "فن الشعر" لأرسطو، غير أنه خلط بين أنواعه عند الإغريق وأغراضه عند العرب، واعتمد على "أوميرش"، فخلع الثناء عليه جريا على عادة المعلم الأول، ووصف بناء الملحمة، وطريقة المحاكاة فيها "الأشعار القصصية سبيلها في الأجزاء التي هي المبدأ والوسط والنهاية سبيل أجزاء صناعة المديح. وكذلك في المحاكاة، إلا أن المحاكاة ليس تكون للأفعال فيها، وإنما تكون للأزمنة الواقعة فيها تلك الأفعال. وذلك أنه إنما يحاكي في هذه كيف كانت أحوال المتقدّم مع أحوال المتأخّر، وكذلك تنقُّل الدول والممالك والأيام". ميّز ابن رشد بين الملاحم التي تتولّى تمثيل أزمنة الأحداث، والمآسي التي تقوم بتمثيل تلك الأحداث، وبما أن الملحمة تقوم على بناء سردي متدرج له بداية ووسط ونهاية، وموضوعها تمثيل الأحداث التاريخية للأمم والممالك، فهذا نادر عند العرب "محاكاة هذا النوع من الموجود قليل في لسان العرب"، وزاد بأن صرّح قائلا "كلّ ذلك خاص بهم(الإغريق) غير موجود مثاله عندنا، إما لأن ذلك الذي ذُكر غير مشترك للأكثر من الأمم، وإما لأنه عرض للعرب في هذه الأشياء أمر خارج عن الطبع، وهو أبين"، ولكي يزيد في إيضاح الفارق بين فهم العرب للشعر وفهم الإغريق له، فقد جارى أرسطو بقوله "وينبغي أن يكون ما يأتي به الشاعر من الكلام يسيرا بالإضافة إلى الكلام المحاكي، كما كان يفعل أوميرش، فإنه كان يعمل صدرا يسيرا، ثم يتخلّص إلى ما يريد محاكاته من غير أن يأتي في ذلك بشيء لم يعتد، لكن ما قد أعتيد، فإن غير المعتاد منكرٌ".

جافى العرب آداب الإغريق، وأفرطوا في جهلهم بهوميروس، واقتصر الحديث عنه على نخبة من الفلاسفة الذين شغلوا بشرح كتاب أرسطو في الشعر، وندر أن اهتم به سواهم، ويعود تفسير ذلك إلى أنّ الشرّاح أدرجوا الكتاب في صلب فلسفة أرسطو. ويعزى لابن رشد إشاعة الفهم الخاطئ لمفهوم التمثيل في ذلك الشعر اعتمادا على الترجمات الخاطئة للكتاب، فقد أغفل السياقات الثقافيّة التي تغذّي الشعر بخصائصه، فالتراسل بين المرجعيّات الثقافيّة والنصوص الأدبيّة قويّ في صوغ العناصر الأساسيّة للمادّة الأدبيّة، وفي ضوء ذلك يكون استحضارها ضروريًّا لكلّ شرح أو تفسير أو نقد يتوخّى الدقّة. في حالة ابن رشد، وسلالة الشرّاح والملخّصين والمترجمين لكتاب أرسطو جرى تغييب السياق الثقافيّ اليونانيّ الذي شكّل مرجعيّة مباشرة للكتاب، وبه استبدل سياق ثقافيّ عربيّ، أدّى بداية من ترجمة القنّائي له، وانتهاء بتلخيص ابن رشد إلى مبادلة غير صحيحة، لا يمكن أن يقبلها الأدب، ولا المجتمع الأدبيّ العارف. مبادلة في المفاهيم الأساسيّة، ومبادلة في النصوص التمثيلية لتوافق سياقًا مختلفًا عن ذلك الذي احتضن الكتاب في الأصل. وتبع ذلك سوء فهم في الوظائف، وفي المماثلة الخاطئة بين أغراض شعريّة عربيّة، وأنواع شعريّة يونانيّة. ومادام هوميروس يتبوأ القلب من ذلك الأدب، فقد جرى عليه ما جرى على آداب قومه.

كلما أثير أمر الآداب اليونانية في الأدب العربي يثار أمر طرائق التمثيل الشعري بين العرب والإغريق، وإلى تباين طرق التمثيل يرجع إغفال العرب لعيون الآداب اليونانية، فذلك أشبه بثنائية الإبصار والعمى التي تفتح الأفق أمام أدب أمة وتسدّه أمام أدب أمة أخرى، وقد أشار "رينان" إلى عزوف العرب عن معرفة آداب الإغريق "إن العرب لم يعرفوا من اليونان غير الفلاسفة والعلماء، وأنه لم ينته إليهم أمرُ أديب يوناني عبقري، ولا ريبَ في أنه كان لا يمكنهم تقدير بدائع تختلف عمّا كانوا ينشدون، وبيان ذلك أن المنطق والفلك والرياضيات والطب إلى حدّ ما، أشياء خاصة بجميع البلدان، وأنّ منطق أرسطو انتُحل من قبل مختلف العروق مثل دستور للعقل، وأنّ هوميروس وبِندار وسوفوقل، حتى أفلاطون، كانوا يبدون بلا طلاوة لدى الأمم السامية الأصيل". طلاوة الشعر، هي إبصاره بالأوزان والقوافي، ذلك ما توفر في شعر العرب، وما سواه فلا طلاوة فيه، فهو شعر أعمى.

وقد فصّل حازم القرطاجنّي القول في اختلاف طرائق التمثيل الشعري بين اليونانيين والعرب، فشعراء اليونان يحاكون الأفعال، وشعراء العرب يشبهون الأشياء بالأشياء "أشعار اليونانية إنما كانت أغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جلّ أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها، يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون أحاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود. وكانت لهم أيضا أمثال في أشياء موجودة نحوا من أمثال كليلة ودمنة..وكانت لهم طريقة..يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، وتنقّل الدول وما تجري عليه أحوال الناس وتؤول إليه"، وأضاف "فأما غير هذه الطرق، فلم يكن لهم فيها كبير تصرّف، كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الأفعال لا في ذوات الأفعال"، ووصف المنحى السردي في أشعارهم، وهو نادر في أشعار العرب "وكان شعراء اليونانيين يختلقون أشياء يبنون عليها تخاييلهم الشعرية ويجعلونها جهات لأقاويلهم، ويجعلون تلك الأشياء التي لم تقع في الوجود كالأمثلة لما وقع فيه، ويبنون على ذلك قصصا مخترعا نحو ما تحدّث به العجائز الصبيان في أسمارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها".

يصعب، والحال هذه، أن يقع تداول أشعار هوميروس التي تقوم بتمثيل أحوال بلاد الإغريق، وذكر المُحالات بالسرد من آلهة وأبطال متخيّلين، وقبولها في سجل الآداب العربية التي اقتصرت على تشبيه الأشياء بالأشياء لا الأشياء بالأزمان والأفعال، فأُبعدت ما خلا ذكر اسمه في هذا المصدر أو ذاك إذ لم يقع تعريب أشعاره إلا في القرن العشرين.

image 0