خاصية الصور البانورامية للشوارع في مدن العالم التي يتم التقاطها مسبقاً عن طريق كاميرا مثبتة على مركبة متحركة بدأت انطلاقتها في عام 2007 حين قدمتها "جوجل" عبر "خرائط جوجل" و"جوجل إيرث" وشملت حينها خمس مدن فقط، إلى أن انتشرت الآن وغطت معظم مدن العالم، السياحية منها بالذات، لعل من أبرزها في دول المنطقة مدينة دبي التي تمتلك موقعاً إلكترونياً لهذا الغرض يطلق عليه (دبي 360) يشتمل على مقاطع فيديو بانورامية وصور أخذت في فترتي النهار والليل لمختلف الشوارع في الإمارة.

الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أنهت مؤخراً مشروع التصوير البانورامي لطرق ومباني مدينة الرياض اشتمل على تصوير جميع شوارع المدينة بعرض (30) متر فأكثر، بطول إجمالي بلغ (7600) كم، وبعدد (1.1) مليون صورة بانورامية هي خلاصة ما تم التقاطه ضمن هذا المشروع، الذي يهدف إلى استخدام أنظمة التصوير المتحركة لتصوير الطرق الرئيسية والشريانية لمدينة الرياض بصور بانورامية تسمح بالانتقال عبر تطبيقات على الأجهزة المكتبية أو الأجهزة الذكية أو على شبكة الإنترنت إلى أي موقع في المدينة افتراضياً ومعرفة تفاصيله الخارجية من خلال استعراض صور المواقع ذات الدقة ودرجة الوضوح العالية.

إن قائمة أوجه الاستخدام للصور البانورامية للشوارع في المدن لا تنتهي، لكن من أبرز ما يوظف منها هو في مجال التطبيقات العمرانية، مسح استعمالات الأراضي، دراسة أنظمة البناء، وأعمال التصميم العمراني والمشاريع المعمارية، ولا أجد في هذا المقام مثالاً أبلغ من التجربة الرائدة لأمانة منطقة الرياض في تطوير شارع الأمير محمد بن عبدالعزيز (شارع التحلية) وما جابهه سمو أمين منطقة الرياض حينها الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف الذي كان صاحب فكرة تطوير هذا الشارع وتهيئته ليكون ملائماً للمشاة من المتسوقين على امتداد مساره، واعتراض نسبة كبيرة من ملاك العقارات المطلة على الشارع لفكرة التطوير التي طرحها حينذاك، لعدم تصورهم بما يمكن أن يعود عليهم هذا التطوير من رفع لقيمة عقاراتهم وزيادة العائد الاستثماري من تأجير الوحدات التجارية أو المكتبية أو السكنية الواقعة على ذلك الشارع، الذي تضاعف بشكل كبير، تمنوا بعدها لو سبقوا إليه حتى وإن أسهموا في تكاليفه، ورغبة سمو الأمين أثناء عملية التطوير في التوثيق البصري للشارع قبل وبعد أعمال التطوير ليكون مجالاً للدراسة ومثالاً يحتذى بالمنهجية والأسلوب الذي تم اتباعه في تطويره، إلا أن التقنية لم تسعفه في ذلك الوقت كما هو الحال الآن، وما يتميز به التصوير البانورامي من إمكانيات للتوثيق، بل والمساعدة في رسم التصور المستقبلي لأي أعمال تطوير مقترحة.

إن مدننا كافة بحاجة لمثل هذا الخاصية للتصوير البانورامي في رصد الواقع الحالي لطرقها وشوارعها والمباني المطلـة عليها، لتقييم هذا الواقع، والعمل على تطويره، ولو على مراحل، بمشاركة وإسهام متوقع من ملاك العقارات على شرايين الحياة في تلك المدن، لا سيما حين تكون لديهم القناعة بجدوى وعائد هذا التطوير على عقاراتهم، وعلى قاطني وزوار مدنهم بوجه عام، وما شارع التحلية في مدينة الرياض إلا مثال حي ينبض بما نحتاجه من بساطة في متطلبات هذا التطوير والفوائد الممتدة لعوائده.