الكلام عن السعودة في الوقت الحاضر يشبه الحديث عن مجد اسطوري كان خيالا في الماضي وأصبح مستحيلا الآن، تعددت اساطير هذا العمل المسمى سعودة الوظائف: أسطورة صندوق المئوية، وأسطورة الموارد البشرية، وأسطورة نطاقات، الأسطورة حكاية لا تخضع لمنطق الحياة ومتطلباتها، ولا تحاسب ان لم تثبت صحتها، الشباب السعودي عندما يبحث عن مكان عمل آمن اليوم عليه ان يكون رجلا اسطوريا متجاوزا الزمان والمكان ليسكن في جوف حكاية مسلية في روايتها ولكنها لاتسمن ولا تغني من جوع..

أخيرا امسك الشباب السعودي الاسطورة من رقبتها وجعلها حكاية حياة تشاهد بالعين وتتكلم بمنطق الانتاج وستر الحال، شباب تعلم في ارقى جامعات العالم، ولم يضيّع وقته في البحث عن وظيفة في برامج وزارة العمل، امتطى عربة الطعام وسار بها في طرقات مدينته المحبوبة، يبيع الأكلات الاجنبية والمحلية، يقضي على ساعات عمل اليوم وينهب من ساعات الغد ساعات اضافية ليعيش بكرامة خبرة الذاتية، فكيف جعل العمل يطيعه ويتسعود وهو لم يتدرب في اساطير صندوق المئوية ولا الموارد البشرية ولا شركات القطاع الخاص، وكيف حصل على هذه الخبرة المفيدة والمنتجة، وكل ما حوله محبط وناقص التأهيل والارادة ؟ أولا عرف ان المؤهل العلمي ربما يكسبه شيئا اسمه الثقة بالنفس والاعتماد عليها، ولا يقدم له عملا مريحا وجاهزا، وعرف ان المجتمع ومؤسسات صناعة الوظائف نصائحهم وتدريبهم وَهْم وابتعد عنها، والقطاع الخاص يبقى قطاعا خاصا أي يضيق فرص الانتماء اليه ويحصرها بالمالك ومايتبعه من مصالح، والقطاع العام يطمح بان يلحق في القطاع الخاص بكل شيء، في تقييمه وانتمائه حتى يتجاوز ساعة عمله الوحيدة !

شباب المطاعم المتنقلة اسطورة في الارادة وحب العمل والوطن، اسطورة تروى في شوارعنا ونتعلم منها ان العمل حق يثبت عندما يحاكم الشاب حاجاته ويربطها بحاجة الوطن والاسرة اليه، يحاكم حاجاته بدون ان يستعين بمحامٍ من وزارة العمل او وزارة الخدمة المدنية ليترافع عنه أمام متطلبات الحياة وحاجته للعمل... ووزارة العمل وبرامجها التدريبية مدعوة الى ان تتعلم من هذا الشاب كيف تصنع الوظيفة، وكيف تكتسب المهارة..

وان ارادت وزارة العمل ان تقضي على العمالة الوافدة ماعليها الا ان تلحقهم في برامجها ودوراتها المعدة للتأهيل الوظيفي، وهذا المسار كفيل بأن يقلص وجود العمالة الاجنبية في البلد، فقد كان هذا الخيار مطبقا على طالب العمل السعودي حتى تقاعد بمهنة عاطل عن العمل، أما الشاب السعودي الجاد اليوم ابتعد بعيدا عن هذه البرامج وصنع لنفسه وظيفة ومكان عمل لا يتطلب منه سوى الارادة القوية والاستعانة بالله.

mutlaqsalmutiri@gmail.com