رحمة الله على والدي، الذي لم يكن كاتبا تفرد له الصفحات، ولم يكن ينبري في المنابر السياسية، لكنه أهداني كلمة كانت أبلغ من الف كتاب حين قال لي: "يا بنتي لكل مقام مقال" كلمة متوارثة تخبر عن حنكه القول ودهاء التصرف وعدم الانبراء الأهوج الذي تحكمه العاطفة.

لا نسمي ما تموج به الساحة الاعلامية المصرية - السعودية من كتاب على حد سواء - وهم قله وليسوا بكثر - بدهاة فكر، وإنما هو على ما اعتقد ما يسمى (الاصطياد في المياه العكرة).

نعم أمتنا العربية بها مياه عكرة، ونحن كإعلاميين من يعكر صفوها، بل لا أكون مجحفة إن قلت إننا من أفسد المناخ العربي والإعلام العربي بأكمله والسياسة والفكر. وهو من قاد القاطرة ذات المكابح المعطلة، نحو ما نحن فيه للأسف الشديد. فبعض الكتاب غير المهنيين لم يصدقوا قولا حين الخلاف حول مشكلة سورية، وكأنهم يرسون بهذا التصرف قاعدة أسسها (بوش الابن) إبان أحداث الحادي عشر من سبتمبر حين قال:"من ليس معنا فهو ضدنا" وهم- أي الأميركان – من الدعاة الأول للديمقراطية والتي انهارت مع هذا المبدأ.

ونأتي نحن ونعب من عبابته حتى الثمالة، فينبرون بمقالات لا أستطيع القول إنها تصدر عن مهني مهما كانت الحال على الصعيدين المصري والسعودي وكأننا في ساحة لا تحكمها أعراف إعلامية ومهنية وعلاقة بعمق التاريخ وفي منحى خير أيضاً!

ما هذا الخلل الإعلامي؟! والذي أودى بقلوب الشعوب وبعواطفهم يتلاعب بهم كيف يشاء!

إن أشد ما آلمني هو ما بث في حلقة الثلاثاء مع الإعلامي الكبير أحمد موسى حول ما أسماه بتركيع مصر.

يا سيدي نحن أول من يغرد في الهاشتاق الذي أطلقته فنقول "لا. وأبداً. مصر لن تركع لأحد". لأنها إذا ركعت ركع العرب وكذلك المملكة، فمصر والمملكة هما درتا العرب في مفرق جبين الأمة.. ونحن نقول إن مصر رائدة، وقامة وقيمة، وهي الحضن الدافئء للعرب وللعروبة وكذلك المملكة!

القضية يا سادة ليست في من قال، ومن عاد، ومن زاد!. القضية قضية وطن تتداعى عليه الأمم ولم يبق لنا إلا هاتان الدعامتان الراسختان والراسيتان رسو الجبال، فهما الآن أعمدة الخيمة العربية، ونحن ننتزع الوتد تلو الآخر!

بالله عليكم لمصلحة من؟ أريد جواباً.. لمصلحة من هذا الهراء؟! وهذه الترهات الإعلامية؟! لقد تعلمنا في الأكاديميات العريقة أسس الخطاب النقدي وأركانه فمن حقنا أن نقول ونكتب، ولكن ليس من حقنا ملء الآذان بالترهات، وقلب الحقائق بحسب الهوى، لأن الأذن العربية اقتربت من أن تصدأ من كثرة ما يصب فيها من كثير الكلام الكيميائي الذي أجهد بوصلتها ففقدت الاتجاه، ما عدا أولائك المتوجهين والموجهين وأصحاب المصالح والأجندات، فقط هم من يعرفون كيف (يضعون السيخ الحامي في صرصور آذاننا) بحسب قول العصابة في فيلم (عفريت مراتي).

القضية يا سادة أننا أصبحنا في يومنا هذا - والمليء بالمؤامرات - كمجموعة أحاط بهم وابل في الفلاة. فهل هذا وقت العنترية والتلاسن؟ اسألوا البدوي الحصيف، ماذا يفعل في مثل هذه الحال وهو بطبيعته الفطرية وبدهائه البدوي يفتيكم، وليست مقولة بوش المعهودة "من ليس معنا فهو ضدنا" ولذا نقول إن "لكل مقام مقالا" نحن في حال استثنائية إذاً.

نحن نعلم أن بيننا سواء في مصر أو في المملكة الكثير من الطامحين والطامعين، ومن المأساة أن الإعلام يعلق الجرس في الرقبة، وحرية الرأي محمودة ولا ننكرها على الإطلاق؛ ولكن بشرطين مهمين أولهما أن يكون القلم ناقدا مهنيا حرفيا كمشرط الجراح وبلا ابتذال، وثانيهما هو كما قال ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني: "عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، فلا تسألني عن حقوق الإنسان ولا عن الحرية". فهذه السيولة الإعلامية على الصعيدين المصري والسعودي - وإن كانت لدينا محدودة جداً - تهدد الأمن الشعبي قبل القومي وعليه فرجاء يا مسؤولي الصحف قيموا ما ينشر على صفحاتكم وانشروا ما يبني الأمة في هذا الوقت العصيب عليها.

الا يرى هؤلاء أن وطننا العربي والذي يستمد قوته من بعضه في حرب (حرب في سيناء، وفي ليبيا، وفي اليمن، وفي سورية، وفي العراق) فماذا تبقى إذاً؟!

بالله عليكم دعوا الألعاب الإلكترونية والشات وحياة القروبات المستحدثة، وأفيقوا واحكموا فيما نحن فيه وفي دماء الشهداء التي تتدفق على أراضينا كالسيل المنهمر.! تأملوا قلوب الثكالى والأيتام وبراءة الأطفال.. ألسنا كجماعة أحاطها وابل في الفلاة؟!

هل انشئت الصفحات وفتحت القنوات وتدفقت الاقلام لهذه الترهات؟

أين مسؤولو الإعلام ورجاله فهم حلقة الثلج أو حلقة النار بحسب ما تجود به على هذا الوطن كيفما شاءت.

يا سادة القضية جد خطيرة ونحن من نورط حكامنا ونحرجهم لأن أقلامنا وأفواهنا غير مؤهلة! فوالله أننا لا نمتلك إلا حفنة من تراب الوطن.