قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب"، والذي أقره الكونغرس الأميركي بأغلبية ساحقة، طرح أسئلة كثيرة عن مستقبل العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، بعد عقود من الشراكة المتينة بين البلدين، والتي أسهمت في جعل الرياض واحدة من العواصم المهمة لواشنطن، ليس اقتصاديا وبسبب الحاجة إلى النفط وحسب، بل لأهمية السعودية في استقرار المنطقة، ومواجهة الجماعات الإرهابية.

هنالك إدارة أميركية مختلفة، تسلمت الحكم منذ نحو 8 سنوات، عندما فاز في الانتخابات الرئاسية باراك أوباما، والذي يمتلك رؤيته الخاصة لمنطقة الشرق الأوسط، والعلاقات الخارجية الأميركية. وهي رؤية تقوم على الانسحاب من مناطق التوترات، وعدم الدخول في حروب جديدة. وهي سياسة أعلن عنها أوباما منذ بدايات حملته الانتخابية، إلا أن الكثير من المحللين السياسيين العرب لم يأخذوا ذلك على محمل الجد، وتوقعوا أنها مجرد وعود انتخابية لا أكثر.

الذي حصل أن الرئيس أوباما، راح يعمل على تنفيذ رؤيته، وتحديدا في أفغانستان والعراق، محاولا التقليل من عدد الخسائر في الأرواح بين الجنود الأميركان. واستخدام سياسات بديلة، مثل تكوين مجاميع مسلحة محلية من أهالي الأقاليم في تلك الدول. أو استخدام الطائرات المسيرة دون طيار، بهدف توجيه ضربات محددة الأهداف، تطال عناصر رئيسة في "القاعدة" و"طالبان".

هذه السياسة – والتي لا يعمل المقال على تقييمها سلبا أو إيجابا، لأن ذلك محله مقال مستقل بذاته - استمر أوباما في انتهاجها حتى بعد وقوع الثورات العربية 2011، وهو ما دفعه إلى عدم التدخل في الحرب الدائرة في سورية، وجعله يقدم دعما محدودا للمعارضة السورية المسلحة، وتاليا المشاركة فقط في عمليات قصف المواقع التابعة لتنظيم "داعش".

وهي السياسة التي وجد فيها معارضوه انكفاء للدور الأميركي في الشرق الأوسط، وإضعافا لنفوذ واشنطن في مناطق حيوية لها. إلا أنه رغم ذلك، بقي محافظا على وتيرته، غير مهتم كثيرا بانتقادات المعارضين.

الكتاب العرب بدورهم، راح أغلبهم يوجهون الانتقادات الحادة للرئيس الأميركي. بل تعدت ممارساتهم النقد لتصل إلى التهكم والشتم واستخدام تعابير "عنصرية".

إن الخلل بالتحديد وقع لدى الجمهور العربي العام، ونخبه السياسية والفكرية، أن الكثيرين انشغلوا بشخص أوباما والتهكم عليه، وابداء الامتعاض منه. وهو الانشغال الذي صرفهم عن القيام بأمور أهم، وهي فهم سياسة الرجل أولا، لمعرفة كيف يتم التعامل معها تاليا.

طوال فترتي ولاية أوباما، لم نبذل نحن العرب جهدا في الدخول في حوار جدي مع الإدارة الأميركية، وفشلنا في إقناعها بوجهة نظرنا. ولم نعمل على بناء شبكة علاقات فاعلة ومؤثرة في الداخل الأميركي مع رجال السياسة والمال والاعلام والصناعة، وهي الشبكة المهمة لأي دولة تريد أن يكون لها صوتٌ مسموع في واشنطن.

من الجيد أن نتذكر أن أوباما الذي نظرنا له بوصفه رئيسا ضعيفا عديم الخبرة، هو من رفض قانون "جاستا"، وهو من قال إنه يضر بالمصالح الأميركية، ولم يوقع على القانون. أي أنه وقف مع السعودية ضد القانون الذي صوت لصالحه أعضاء من الحزب الديمقراطي الذي ينتمي له!.

السياسيون الأميركيون، والرئيس أوباما واحد منهم، إنما يعملون من أجل مصالح الولايات المتحدة، وليس من أجل مصلحة دولة أخرى، حتى وإن كانت حليفا استراتيجيا مثل إسرائيل. ولذا، يجب ألا ننتظر منهم أن يقدموا المصالح العربية أو السعودية على مصالحهم القوية.

أن نستمر في إبداء غضبنا من واشنطن، هو تصرف لا يمت للسياسة والدبلوماسية بصلة. بل، ينم عن ضعف وعدم قدرة على اجتراح الحلول، وضيق في الرؤية السياسية.

ما نحن بحاجة له، هو أن نعمل على صنع دبلوماسية فاعلة وذكية، تستطيع أن تتواصل مع مختلف الفاعلين الدوليين، وتمتلك رؤية بعيدة المدى، ولديها عناصر قوة رئيسة تستند إليها، بعيدا عما يتمناه البعض من أن تدخل الرياض في قطيعة مع واشنطن، أو تخوض حربا باردة معها.

وأول سؤال يجب أن نجيب عنه، هو: ماذا نريد من الولايات المتحدة، وأي علاقة يجب أن تكون بين البلدين في المستقبل؟