يقول علماء الأرصاد إن مناخ الأرض دقيق وحساس لدرجة أنه لو خفقت فراشة بجناحيها في البرازيل لأثرت بشكل غير مباشر في طقس الفليبين..

وعلى نفس السياق يمكن القول إن التاريخ (على قدر كبريائه وجبروته وعظمته) يمكن أن يتغير لأسباب بسيطة وقرارات صغيرة وخفقات بعـيدة..

سبق أن كتبت مقالا عن هذه الظاهرة تصورت فيه الشكل السياسي المحتمل للجزيرة العربية (هـذه الأيام) لو أن الملك عبدالعزيز توفى في سن الطفولة (مثل معظم المواليد في ذلك الزمان).. أشرت فيه إلى أن مسمى بلادنا وجنسياتنا "السعودية" كان سيتغير إلى "الخالدية" أو "المتعبية" أو "المقرنية" لو لم يختر الأمير محمد بن مقرن اسم "سعود" لابنه ووافق على اقتراح عماته بتسميته أو خالد أو متعب أو مقرن.. حتى شكل أوروبا وموازين القوى العالمية ستختلف لو لم يولد هتلر ويتسبب بقيام الحرب العالمية الثانية ويقتل أربعين مليون مواطن أوروبي (أو وافقت والدته على إجهاضه كما نصحها الطبيب)..

تخيل كيف ستكون حال مجتمعنا المحلي والعربي وعالمنا الإسلامي - بل وتاريخ العالم كله - لو أن أحـد فرسان قريش انحنى فقط لينظر تحت قدميه وقـتل سيدنا محمد مع صاحبه أبي بكر في غار ثور (أثناء هجرتهما إلى المدينة المنورة)!

ما أود قوله أن موت طفل أو قتل رجل ــ أو حتى تسمية مولود جديد ــ لا يعـد في وقـت حدوثه شأنا كبيرا أو يتجاوز نطاق أصحابه وزمن حدوثه.. غير أنه كلما تقدمنا في الزمن يصبح تأثيره كبيرا وعظيما وينعطف بالتاريخ لوجهات غير متوقعة..

لهذا السبب يعتقد بعض الفلاسفة بوجود أكوان أخرى موازية لنا .. يفترضون ذلك (بناء على) وجود إرادات مختلفة قد تحدث أو لا تحدث فوق كوكبنا.. فحين تستيقظ أنت مثلا مصابا بالإنفلونزا تحتار هل ستذهب للعمل أم تتغيب عنه.. في حال قررت التغيب يبقى هناك احتمال وجود كون آخر مواز يختار فيه قرينك الذهاب للعمل..

وفي حين نحيا نحن في كون عاش فيه الملك عبدالعزيز واستعاد الرياض وأسس البلاد، قد يكون هناك كون مواز مات فيه صغيرا أو لم ينجح في دخول الرياض.. وفي حين اكتشف كولومبس أميركا قد يكون هناك كون مواز يسبقه لاكتشافها عقبة بن نافع (الذي دخل بفرسه المحيط الأطلسي وقال لو أعلم أن خلف هذا البحر أرضا لغزوتها في سبيل الله) وبالتالي تكون فـيه أميركا هذه الأيام مليئة بالعرب والمسلمين..

.. وقــد يقول قائل:

ولكن التاريخ محصلة معقدة للأفكار والأيدلوجيا والصراعات والإنجازات العلمية والكتب الدينية والاكتشافات الجغرافية والأحداث الصغيرة ــ ناهيك عن المعارك الكبيرة.. وهذا في الحقيقة صحيح وأعتبره شخصيا دليلا على صحة الفكرة ذاتها..

فكل هذه العناصر تخضع في النهاية (لـقـرارات صغيرة) يمكن لفعلها أو عدم فعلها تأسيس تاريخ جديد ومختلف عما نعرفه حاليا.. فتاريخنا الحاضر كان سيختلف مثلا لو لم تظهر أميركا، أو تقع معركة الجمل، أو مات ماركس ولينين وهيرتزل (مؤسس الدولة الصهيونية) في سن الرضاعة..

وكل هذا يثبت أن دراستنا الحالية للتاريخ قاصرة وضيقة كونها تكتفي فقط بتوثيقه وتسجيله (بعـد وقوعه) دون محاولة تغييره أو التحكم فيه فعليا .. أتمنى أن تشمل دراستنا للتاريخ مجالات أكثر عمقا تتضمن (كيفية حدوثه) وأسباب انعطافه وطرق تغـيره وتداعيات الأحداث الصغيرة عليه - ناهيك عن دور الأفكار والكتب في صياغته وتحويله إلى هذا الاتجاه أو ذاك..

.. أيها السادة

إن كان خفقان الفراشة في البرازيل يؤثر في طقس الفليبين (بحسب علم المناخ) فـفي علم التاريخ "لـو نظر أحدهم تحت قدميه" لـتسبب في عـدم وجوـد شيء هائل ندعوه اليوم "الأمـة الإسلامية"..

.. هذا ما أدعوه "فراشة التاريخ"..