•• أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خياران صعبان يتوجب عليه ان يختار أحدهما بعد اليوم..

•• الخيار الأول هو: الضرب بيد من حديد ومواجهة كل من يقف أمام تعزيز سلطة الدولة.. والاستمرار في التوجه نحو تغيير الدستور لصالح دعم سلطات رئيس الدولة.. والانتقال بتركيا نحو نظام رئاسي كامل..

•• الخيار الثاني: مراجعة الواقع التركي بصورة شاملة.. وإدخال تعديلات كبيرة في السياسات والتوجهات.. والميل الى التقارب مع المعارضة بكل أشكالها وتوجهاتها.. ومعالجة الشرخ الذي أحدثه الانقلاب في العلاقة بين السلطة والقوات المسلحة التركية.. بعد سياسات الإضعاف لمؤسسة الجيش.. بعد أن كانت مؤسسة الجيش هي المهيمنة على الحياة العامة في تركيا قبل وصول "أردوغان" إلى رئاسة الوزراء.. ثم رئاسة الجمهورية..

•• ومن الواضح أن التباعد كبير جداً بين الخيارين.. وان الأخذ بأحدهما ربما يعود الى شخصية أردوغان التي لا تقبل أنصاف الحلول.. ولا ترى في الضعف وتقديم تنازلات سبيلاً إلى تحقيق مصالح تركيا العليا..

•• والسؤال الآن هو: هل تتغلب شخصية "أردوغان" الميالة إلى الإمساك بكل عناصر السلطة في يد رئيس الدولة.. أم أن هذا الانقلاب وما رافقه من تداعيات أو تهيأت له من أسباب.. سوف يفرض واقعاً جديداً.. ومراجعة شاملة لسياسته السابقة لهذا الانقلاب..؟

•• الحقيقة أن الجواب صعب للغاية.. لأن نزول الشعب الى الشارع بكثافة وبسرعة مذهلة لمواجهة الانقلاب.. ثم وقوف النخب والأحزاب السياسية بما فيها المعارضة ضد الانقلاب منذ الساعات الأولى.. من شأنهما أن يلتقيا مع شخصية اردوغان كرئيس قوي.. وبالتالي فانها مجتمعة قد تدفعه الى المضي في سياسته السابقة والأخذ بالخيار الأول..

•• لكنني أعتقد ان "أردوغان" سوف لن يمضي في هذا الاتجاه اذا اراد كسب المزيد من التأييد والتعاطف المحلي والخارجي.. والإمساك بزمام الأمور بقوة ناعمة هذه المرة.. اذ من المتوقع ان يردم الخلافات العميقة بينه وبين المعارضة السياسية في الداخل تعزيزاً للوحدة الوطنية.. وتقاسماً للسلطة مع بقية الشركاء.. كما أنه قد يراجع سياساته السابقة في طريقة تعامله مع المؤسسة العسكرية وبما يحقق مستوى أعلى من الرضا بداخلها.. وذلك بإعادة تنظيمها.. وهيكلتها وتحصين بيئة العمل بداخلها وتعزيز ولاء الجميع للدولة التركية.. بدلاً من الاعتماد الكلي على القيادات الرئيسية فيها وردم الهوة بينها وبين بقية مستويات التشكيلات الداخلية فيها..

•• يضاف إلى ذلك.. أن "أردوغان" قد يدخل تعديلات كبيرة على مؤسسات السلطة الثلاث.. بما يجعلها أكثر تماهياً مع التوجهات الديمقراطية في البلاد لتقليص حجم الخصوم.. ومن يتهمونه شخصياً بالديكتاتورية.. وبسط نظام القبضة القوية.. وذلك باستيعاب كفاءات ممثلة لمختلف التيارات وبالذات في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

•• وفي إطار هذا التغيير المرتقب في فكر اردوغان.. وسياسته.. فإنني لا أستبعد المراجعة لسياسات تركيا الخارجية.. وترطيب علاقاته مع بعض الدول ومنها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية وروسيا.. رغم إغلاق السلطات التركية لقاعدة انجرليك وكذلك إعادة النظر في سياسة تركيا في منطقة الشرق الأوسط.. وهو الأمر الذي يعنينا بدرجة كبيرة.. ويدعو إلى سرعة العمل والتنسيق معه لضمان المزيد من التعاون والتقارب والعمل المشترك نحو قيادة المنطقة نحو الاستقرار والهدوء.. والحد من الأخطار المحدقة بها..

•• صحيح ان الوضع دقيق وحساس في تركيا.. لكن الاكثر صحة هو.. أنها بحاجة إلى الدخول في مرحلة التهدئة.. وترميم الأوضاع التي أدت بالبلاد إلى هذا التهديد الجديد علاوة على التهديدات الخارجية التي عرضت سلامتها للخطر في الآونة الأخيرة بصورة غير مسبوقة.

•• وبقدر ما سوف تسيطر الحكمة.. وبعد النظر.. والمراجعة الجادة لمجمل الأوضاع.. بالقدر الذي سوف يبعد الخطر عن تركيا.. وتصبح دولة قوية.. ومؤثرة في الإقليم.. وكذلك في مساعيها نحو تعزيز روابطها بالخارج.. وسماع كلمتها في كل الأوساط..


•• ضمير مستتر:

•• (تتعاظم الأخطار على الدول والشعوب.. إذا هي فقدت تماسكها الداخلي.. وصعّدت توتراتها مع الخارج.. ولم يعد هناك من تستند إليه.. أو يقف معها..).