كان من تداعيات حركة الصحوة الإسلامية (السرورية) في السعودية بالتسعينات، خروج مجموعة من رموزها إلى الخارج، كي يكونوا مندوبين لهذه الحركة في العالم، أو كما قال الدكتور محسن العواجي في لقاء مع قناة الجزيرة "مندوبين عن اخوانهم في الداخل".

منذ البدايات، ظهر على السطح أن هذه المعارضة التي اتخذت من لندن مكاناً لها، لن يقدر لها أن تبقى موحدة ومتماسكة، وبالفعل، بعد فترة بسيطة، بدأ الخلاف جلياً بين الدكتورين محمد المسعري وسعد الفقيه، وكان الخلاف كما هو معلوم يعود لأسباب مالية صرفة، وكان الطلاق غير البائن بينهما في حادثة تغيير مفاتيح المكاتب في لندن، وبدأ المعارضان حملة من التشهير الشخصي فيما بينهما، وصلت إلى حد الاتهام بالخيانة، وضعف الأمانة، بل والسرقة. ونتج عن ذلك انشقاق سعد الفقيه عن ما بقي من التنظيم الصحوي الأم (لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية)، وتأسيسه لـ (الحركة الإسلامية للإصلاح).

كان من الواضح، ومنذ البداية، أن المسعري قد خلع العباءة الصحوية، مرتدياً بدلاً عنها العباءة التكفيرية، فلم يكتف بتكفير الدولة والقائمين عليها، بل تجاوز ذلك إلى تكفير هيئة كبار العلماء السعودية، واتهمهم جميعاً - وكما هو النص في كتاب الأدلة القطعية - بأن الدولة تقوم بدفع: "القليل من الريالات رواتب وشرهات أو سمها، إن شئت، رشاوى لأولئك المشايخ.. ابن باز، وابن عثيمين، واللحيدان، وصالح الفوزان". وتجاوز ذلك إلى القول عن الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في الكتاب نفسه بأنه: "ليس هو بحجة، ولا هو بثقة، ولا مأمون، ولا كرامة. هو وأمثاله من فقهاء السلاطين، لا كثّرهم الله".

الفقيه، لم يكن بعيداً عن الموقف التكفيري الذي اتخذه المسعري، صحيح أنه كان أكثر حذراً منه في التكفير الصريح للعلماء، غير أنه جاهر بكفر الدولة في كتبه ونشراته المختلفة، هذا الحرص في عدم الاصطدام مع العلماء السعوديين، كان له مبرر سياسي/اجتماعي، حيث ان شعبية هؤلاء المشايخ في الشارع السعودي - بل والإسلامي - كانت أكبر من أن يتجاهلها. وهو بهذا، كان متسقاً مع تلك القاعدة التي أسسها مشايخ الصحوة، والقاضية بمحاولة عدم الاصطدام مع العلماء التقليديين الكبار قدر الإمكان، حيث انهم مصدر شرعية في أي جانب يقفون في صفه.

حين استبد البأس في قلب الفقيه من أن يتغير موقف العلماء التقليديين منه ومن حركته، راهن على قدرته في قلب الهرم الديني السعودي، فالضربات التي تعرض لها الفقيه من العلماء السعوديين، والذين أجمع الشارع السعودي على قبولهم كمرجعية في أمور الدين والدنيا، كانت أكبر من أن يتجاهلها، لذا، وكما كانت محاولة الغزل السابقة من الفقيه للتقليديين نابعة من موقف سياسي صرف، كانت محاولته في التشكيك فيهم نابعة من موقف سياسي أيضاً. هذا التحليل، يفسر لنا كيف تحول فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله - في نظر الفقيه - من "سماحة الشيخ الوالد"، إلى كونه (كما ورد في نشرة الإصلاح رقم 28على سبيل المثال): ساكت عن الحق، مستحق للعنات بنص القرآن، وكاتم للعلم، وأن يتحول بيان صادر من هيئة كبار العلماء إلى بيان: "كُتب في أحد المحافل الماسونية وليس بقلم علماء" (نشرة الإصلاح رقم 360).

كان رهان الفقيه على قدرته على الاصطدام مع علماء بثقل الشيخ ابن باز وابن عثيمين غباءً سياسياً ورهاناً خاسراً، وقد اعترف الفقيه في كون وجود مثل هؤلاء المشايخ في صف الدولة مصدراً للشرعية الدينية لها، لذا، لم يكن من الغريب أن يتمنى الفقيه وفاة هؤلاء المشايخ، فإنه جاهر بهذه القناعة في نشرة الإصلاح رقم 156، حيث كرر خبر إصابة الشيخ ابن باز بداء عضال، وفي سؤال ورد إليه كان فحواه: عن ماذا سيكون الوضع في حال استمر الشيخ ابن باز على موقفه في دعم الدولة لحين وفاته، فأجاب بالقول: "المهم هنا ليس بقاء الشيخ على موقفه لكن المهم هو اختفاء الشيخ عن الساحة (أي وفاته)، وبقاء النظام دون سند شرعي يؤمن له الشرعية".

بمثل هذه التصريحات، وغيرها، كان الفقيه قد قطع كل خطوط الرجعة مع التقليديين، ووضع نفسه في الصفوف الأولى للتيار الإسلامي المتطرف. وانتقلت قناعة المسعري القديمة إليه أيضاً، فأصبح رهانه الجديد - كرهان رفيق دربه - على التيار المتطرف، القائم على التغيير بواسطة العنف. غير أن المشكلة أن شروط العمل السياسي في بريطانيا لا تسمح بوجود معارضة تتبنى العنف كخيار في التغيير والوصول إلى السلطة. لذا كان من اللازم أن يكون المعارضان حذرين في التصريح عن خيارهما الجديد، وإن كانا قد أرسلا إشارات كثيرة توحي بحدوث مثل هذا التغير.

حاول الفقيه أن يقدم نفسه بصورة الناطق الرسمي لتنظيم القاعدة في حالات كثيرة، منها على سبيل المثال، حين تواترت الأخبار عن طرد طالبان لأسامة بن لادن، فصرح الفقيه في نشرة الإصلاح رقم 150بالقول: "كثرت التأليفات والاختراعات في الصحافة بعد اختفاء الشيخ أسامة بن لادن، وما نستطيع أن نؤكده هو أن معظم التقارير الواردة في الصحافة خاطئة، خاصة تلك التي تتحدث عن طرد وإبعاد لابن لادن من قبل الطالبان". وبعد أحداث 11سبتمبر لم يخف الفقيه دعمه لهذه العمليات الإرهابية، وزايد على تطرف أحد مشايخ الصحوة الذين عبروا عن رفضهم لمثل هذه العمليات، لا لكونها عملاً غير شرعي، ولكن لكونها "جرت الأمة إلى معركة غير متكافئة"، فقال الفقيه: "أما المعركة التي جرتنا إليها أحداث 11سبتمبر فلا ندري ما الخسارة فيها؟ هل هي خسارة شهداء في سبيل الله.. أم هي بيان تهافت الغرب..؟ أم هي كشف لأن الغرب قد تحول إلى عضلات بدون تفكير؟ هل تعتبر هذه خسائر؟ إن كان هناك من يعتبر هذه خسائر ولا يعتبر حال الأمة قبل 11سبتمبر في خسارة مستمرة فنحن نختلف معه اختلافاً بيناً (نشرة الإصلاح رقم 287).

وقف الفقيه - ومثله المسعري - مع تنظيم القاعدة بشكل واضح، وصرَّح الفقيه بأن العمليات المسلحة ستنتقل إلى الأراضي السعودية، وأن رجال الأمن سيكونون هدفاً لمثل هذه العمليات، فمثلاً يقول الفقيه في نشرة الإصلاح رقم 342: "وانتشر بين هذه المجموعات (أي الارهابيين) الفتوى المنسوبة للشيخ العقلاء التي أشرنا إليها في نشرتنا السابقة والتي تحرم الاستئسار للمباحث وتلزم بمقاومة الاعتقال بقدر المستطاع"، هذه الفتوى وغيرها من الفتاوى، التي ساهم الفقيه في الترويج لها عبر نشراته، ومنتداه الذي يشرف عليه، والمليء بكتب التكفيريين، وفتاواهم، وبيانات من المطلوبين أمنياً، وكتب تكفيرية أخرى، على غرار كتاب (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث)، والذي اتضح أن مؤلفه هو فارس آل شويل الزهراني أحد المطلوبين أمنياً في أحداث تفجيرات الرياض (مجلة صوت الجهاد العدد 13و14). ليس هذا فحسب، بل إن المنتدى ضم كتباً خاصة بطرق صناعة المتفجرات، وكيفية التعامل مع الأسلحة المختلفة في حال حدوث المواجهات مع رجال الأمن.

استمر الفقيه في رهانه على قدرة الإرهاب على زلزلة المجتمع السعودي إلى النهاية، وكان صريحاً في تعبيره عن قتلى المواجهات الأمنية من المطلوبين أمنياً بكونهم من الشهداء، بينما وصف شهداء رجال الأمن بكونهم (صرعى) أو (قتلى)، كما عبَّر عن تفجيرات الرياض بكونها (عمليات جهادية) قام بها (التيار الجهادي). كان غرض الفقيه واضحاً في اختياره لمثل هذه العبارات، وبتقديري، أنها كانت خطاً استراتيجياً سيؤدي بحركته إلى الاحتضار تماماً، فهو بمثل هذا التصرف، كرر خطأه القديم حين وقف ضد الشارع السعودي في موقفه من العلماء، فالسعوديون أجمعوا على استنكارهم لمثل هذه التفجيرات، وما منهم إلا وله قريب أو صديق إن لم يكن هو نفسه منخرطاً في صفوف السلك العسكري في السعودية.

كان تمادي الفقيه في انجرافه مع التكفيريين مصدر خطر عليه، فهو بهذا مخالف لشروط العمل السياسي في بريطانيا، وظهر بين المواطنين البريطانيين من يستنكر وجوده ويطالب بمحاكمته، لذا بدأ الفقيه بمجموعة من الإجراءات الاحترازية، كان منها التصريح بأن حركته تقوم على المعارضة السلمية، وبأنه لن يسمح بعد اليوم بدعوات للعنف توجه عبر منتداه أو إذاعته. غير أن هذا كان بعد فوات الأوان، فمثل هذه الاستدراكات، المتأخرة، وقبلها حذفه لنشرات الإصلاح من موقعه الإلكتروني، والتي هي في مجملها تحتوي على إدانات لا تقبل الشك في موقفه وعلاقته مع الإرهاب، لن يقدر لها أن تمنع من إدانته في حال محاكمته من قبل البريطانيين.

المسعري بدوره، تمادى في انجرافه مع الإرهاب، ولم يكتف باستفزاز المجتمع السعودي بوصفه للارهابيين بكونهم (مجاهدين)، وبأنه مؤيد للإرهاب على أرض الحرمين، بل لقد تجاوز هذا كله، في كتابه الأخير (قتال الطوائف الممتنعة)، حيث دعا إلى قتال الحكومة السعودية، واغتيال رموزها، وذلك على اعتبار انهم (رؤوس الطائفة الممتنعة) كما هو النص في ذات الكتاب! كما حرض وبشدة على اغتيال رجال الأمن في السعودية، وأفتى بجواز تفجير الإدارات الأمنية، يقول في ص 15: "تجب مطاردة منسوبي أجهزة المباحث العامة، مباحث أمن الدولة، الأمن السياسي.. وقتلهم حتى ولو كانوا على فرشهم وفي أحضان أزواجهم.. كما لا يجوز أن يجعل الخوف على حياة الأبرياء من المارة أو من الموجودين داخل مباني إدارات التجسس والنميمة، لا يجوز أن يكون مانعاً من قصف تلك الإدارات"، كما قال في صفحة 17: "فتجب معاملة الشرطة أيضاً معاملة المقاتلة من أهل الحرب، فيقاتلون هجوماً ودفاعاً، فيقتلون مقبلين ومدبرين، وتنصب لهم الكمائن، ويقعد لهم كل مرصد، بكل غلظة، وبدون رحمة أو هوادة"! وأدخل معهم في قائمة الاغتيال كل أئمة المساجد الذين لا يكفرون الدولة السعودية ويدافعون عنها، وخص منهم إمام المسجد الحرام الشيخ السديس! وفي نهاية المطاف دعا إلى اغتيال كل من يدافع عن شرعية النظم الحاكمة في العالم الإسلامي، سواء كانوا صحفيين أو حتى راقصين أو مغنيين كما هو مذكور في ذات الكتاب في الصفحة 18، حيث جعل الفئة الرابعة من فئات الطائفة الممتنعة والتي يجوز قتالها: "من يعد مدافعا عنهم باللسان وفنون البيان والدعاية، دفاعا مباشرا، لا فرق بين مفتي، وصحفي، وكاتب، وأديب، ومغني، وراقصة، وممثلة.. وأئمة المساجد الذين يدعون للطواغيت، من أمثال السديس"!

هذا الكتاب، الذي دعا فيه إلى اغتيال أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق، وحكام ومحافظي الولايات من العراقيين، وألحق معهم في قائمة الاغتيال قائمة طويلة كان فيها كل من الرئيس الأمريكي (بالنص الصريح في صفحة 13) ورئيس الوزراء البريطاني (بالقياس) ووزرائهم ورجال دولتهم، وذلك حتى لو كانوا على فرشهم ومع أزواجهم كما يقول، وقد أكد في الصفحة 14على أنه: "لا يجوز أن يؤثر على هذا الحكم، ألا وهو مبادرة هؤلاء بالقتل والاغتيال، احتمال اصابة بعض الأبرياء عرضا"، كما قرر قاعدة أخرى لا تقل تطرفا عن ما سبقها، حيث قال: "ويجوز أن يستهدف المدنيون فقط على وجه المعاملة بالمثل، تماماً كما استهدف بحق المجاهدون المدنيين الأمريكيين في غزوة نيويورك وواشنطن المباركة" (ص10).

إن مجاهرة المسعري والفقيه في موقفهم من الإرهاب يعود إلى جهل واضح في فهمهم لحجم الفارق بين (حرية التعبير عن الرأي) و(التحريض على الجريمة)، والمسعري خصوصاً، هو في موقف حرج للغاية بعد كتابه الأخير، أو هكذا يفترض!

بعد هذا العرض، يبقى هناك سؤال مهم يطرح نفسه، وهو، إذا كانت كل هذه الأدلة وغيرها تحت نظر الحكومة البريطانية، فلماذا لم تتخذ أي إجراء قانوني بحقهما؟ وهو سؤال لا يقل صعوبة عن السؤال حول المصادر المالية التي يستند إليها هؤلاء المعارضون اللندنيون، والتي مكنتهم من فتح قنوات إذاعية وتلفازية متعددة، ولكن هل جواب هذين السؤالين بهذه الصعوبة بالفعل؟ أترك لكم الجواب.

يبقى في نهاية المطاف كلمة لابد من قولها، وهي أن الإرهاب مشكلة عالمية، لن يتمكن العالم من مقاومتها في حال وجود من يستخدم الارهابيين كورقة سياسية، يضغط بها متى شاء، أن من ينظر للعنف هو في حقيقة الأمر شريك فيه، وليس بمقدور العالم أن يخرج منتصراً من حربه الجديدة، طالما أن هناك دولاً لا تزال تلعب أدواراً أقل ما يقال عنها، بأنها لا تتوافق مع قيمها الحضارية (ولا أقول السياسية)، والتي مازلنا نعول عليها الكثير.