«.. على الأمير ألا يخشى كثيراً من المؤامرات إذا كان الشعب راضياً عنه، أما إذا كان مكروهاً، ويحس بعداء الشعب، فإن عليه أن يخشى من كل إنسان ومن كل شيء».. الاقتباس السابق من كتاب "الأمير" لمكافيللي.. لقد كان ليل الجمعة تاريخياً بالنسبة لإردوغان والشعب التركي الذي هبط إلى الشارع لإفشال محاولة الانقلاب عليه من قبل مجموعات من الجيش التركي التي ما لبثت أن عادت إلى ثكناتها.. والحقيقة أن وقوع هذا الانقلاب وتأثيراته الداخلية والخارجية، سيتردد صداها لتكون مثار جدل وبحث كبيرين بالنسبة للمراقبين والباحثين في شؤون الشرق الأوسط، إذ إنه يفتح باب التساؤلات عن مدى رسوخ الديموقراطية في تركيا، ويبعث بتساؤلات مضادة عن ترسّخ ثقافة الانقلابات في الجيش التركي أيضاً، والأهم مستقبل البلاد التي كانت قبل عدة أعوام مثالاً يُحتذى باعتبارها نموذجاً.. لكن دعونا نطرح تساؤل اللحظة التي نعيشها اليوم؛ لماذا فشل الانقلاب؟

لم يكن نداء إردوغان وحده للشعب عبر شاشة (سي إن إن تركيا) من خلال تطبيق حاسوبي أو شخوص رموز من حزب العدالة والتنمية بدءاً من الرئيس السابق عبدالله غول ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو وغيرهما من الذين وجهوا الشعب إلى النزول للشارع؛ السبب الوحيد لإحباط المحاولة الانقلابية، بقدر ما كان وعياً سياسياً شعبياً رأينا انعكاسه على نخب وأحزاب المعارضة العلمانية شديدة العداء لشخص إردوغان والمتمثلة في حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي أو الكردية وفي مقدمتها حزب الشعوب الديموقراطي اللذين رفضا تلك المحاولة، وعبرا عن موقف مسؤول، إذ كان ذلك الرفض علاوة على موقف الحزب الحاكم إيذاناً شعبياً برفض الانقلاب، وبالتالي افتقدت تلك المحاولة الإجماع الشعبي كمرتكز لإنجاحها.

لقد رأى الشعب الذي قد يكون جزء معتبر منه مختلفاً مع إردوغان وسياساته بأن عليه أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يكون كفيلاً بإخراج حزب العدالة والتنمية من البرلمان عبر الصناديق، ولا يريد العودة إلى زمن كان الجيش صاحب المبادرة فيه قبل 2002، خلال الأعوام الأربعة عشرة السابقة استطاع الناخبون الأتراك تمكين حزب العدالة والتنمية من الفوز بشكل ساحق كما حدث في انتخابات 2002، وقد أنتج ذلك نهضة تركية، واستطاعوا جعله في موقف حرج في 2015، عندما شعروا بتقهقر أدائه، وبقدر ما كان إبطال المحاولة الانقلابية مصدر سرور للإردوغانيين ولإردوغان نفسه من خلالها عرف من معه ومن ضده، إلا أنها مؤشر قوي على درجة نضوج سياسي يمكن من خلالها أن تجادل تركيا محيطها الأوروبي الرافض لها على الدوام والمشكك في مستوى الوعي والمسؤولية في الحياة السياسية هناك، كما أنها رسالة للعدالة والتنمية بأن إفشال المحاولة من قبل الشعب هو انعكاس لقداسة الديموقراطية اليوم أكثر من أي وقت، وليس مؤشراً أو تذكرة للانفراد بالقرار.

إن استقرار تركيا أمرٌ أساسي ومهم لا يُقبل أن يُمس، وهو انعكاس لاستقرار المنطقة ومعين لها، والعبث به مرفوض والتدخل في شؤونها تعدّ على سياستها وسيادتها، كما أن المملكة ترى في تركيا شريكاً مهماً في استقرار الشرق الأوسط وفي مكافحة الإرهاب الذي يضرب هنا وهناك.. والبلدان الشقيقان قادران على تشكيل جبهة موحدة لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بفضل التقارب بينهما والذي سيتعزز في القادم من الأيام.