معروف أن الحيز الذي لا تشغله سيشغله غيرك.. إن عاجلاً أو آجلاً؛ سيأتي من يأخذه ويخبرك أنه ما كان ليحتله لو لم يجده فارغاً.. ولا تستطيع أن تلوم الذين سبقوك إلى الصفوف الأولى ما دمت لم تحضر باكراً وتزاحمهم عليها.. وعندما تتقاعس عن واجباتك وتتخلف عن أدوارك فإنه لن يبقى أحد خلفك؛ إلا الكسالى المتقاعسين مثلك.

واجه برنامج (صحوة) الذي بثته قناة (روتانا خليجية) خلال شهر رمضان جدلاً واسعاً.. حيث كان صادماً بما حمله من تشكيك بالموروث الذي طالما جرى تغييب العامة عن أوجه الخلاف والاختلاف حوله.. ووجد ضيف البرنامج الدكتور عدنان إبراهيم نفسه في كل حلقة يطرق تابوهاً تلو الآخر.. حيث الكثير من المناطق البكر التي لم يسبقه إليها أحد من رواد المنابر الشعبية أو الجماهيرية؛ حتى اضطرت أمانة هيئة كبار العلماء للتغريد محذرة من "ضلالات عدنان إبراهيم"، داعية "المتخصصين" للرد عليه؛ ثم سرت شائعة بأن البرنامج أوقف.. لكن الحقيقة أنه استمر، وأن جماهيريته زادت، وزادت معها حرارة الأسئلة التي يخلفها بعد كل حلقة.

في كل وسيلة إعلامية هناك تبويب للصفحات أو توزيع لساعات البث بحسب الموضوعات، والغالبية تخصص جزءاً يصل أحياناً إلى ١٠٪‏ أو ٢٠٪‏ من ساعات البث أو صفحاتها للبرامج والمواد الدينية، التي لا خلاف على جماهيريتها خصوصاً في المجتمعات المتدينة والمحافظة.. والذي يحدث أن إدارة القناة تلتزم خلال الدورة البرامجية ببث هذه النسبة ولا تستطيع تغييرها أو اقتطاع جزء منها إلا في الحالات النادرة جداً.. حيث تحتم مهنية القناة عليها ضمان هذا التنوع في برامجها والمحافظة عليه.

ولو وافقنا أن قنوات (ام بي سي) و(روتانا) قنوات سعودية وليست عربية، ثم أصدرنا فتوى بمقاطعة هذه القنوات وحرضنا على كل المشاركين فيها ووصمناهم بكل الأوصاف المخيفة من التغريبية إلى الصهيونية.. فمن سيشغل تلك النسبة من البرامج الدينية.!

وإذا كان المقاطعون لهذه القنوات يرفضون التواجد فيها؛ فإن هذه القنوات وبلا شك ستلجأ لشغل هذه النسبة بآخرين يخالفون توجهات المقاطعين.. وسيكون هؤلاء المقاطعون قد قدموا لمخالفيهم منصات جاهزة لم يحلموا بها!!.

أمانة هيئة كبار العلماء عندما "غردت" دعت من أسمتهم بـ"المتخصصين" لكشف "ضلالات عدنان إبراهيم القائمة على سب رموز من الصحابة، والمليئة بالمتناقضات، والمتضخمة بالأنا".. وهذه خدمة أخرى قدمتها الأمانة لمخالفي منهجها ليشغلوا مقعداً آخر ويتصدوا للرد على "الضلالات" بوصفهم "متخصصين"، وفوتت الأمانة على نفسها وبصفتها المرجع المعتمد للفتوى ترشيح متخصصين يمثلون توجهها أو أن تتصدى هي بنفسها لبيان ماهية هذه "الضلالات" والرد عليها.. وقد ظهر العديد من الاسماء التي لم تكن لتفوت مثل هذه الفرصة الذهبية لتكسب المزيد من المريدين على حساب الأمانة.. التي لو تصدت لهذه "الضلالات" لعززت حضورها في تلك المنطقة وقطعت الطريق على المجتهدين والمتحمسين، وربما كانت قدمت درساً للجميع في أدب الاختلاف ومواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة دون تكفير ولا تسفيه ولا إلغاء.

تفويت مثل هذه الفرص والهروب من المناطق الشائكة أكثر ضرراً علينا من "ضلالات" هنا وهناك.. بل إن تجاربنا السابقة أثبتت أن ترك الساحات فارغة أدى إلى شغلها بدعاة ضلال وإرهاب وتحريض ما كان لهم أن يتصدروا لو أن المؤسسة الدينية الرسمية سبقتهم إليها وقطعت الطريق عليهم وقدمت نفسها كمصدر للعلم والتنوير وشرح الاختلاف للشباب المتحمس.. ولا حاجة هنا للتذكير بمأساة تجربة ترك المنابر لمن اختطفوا شبابنا في غفلتنا الماضية.