شهر رمضان على الأبواب، فأهلاً به في الصيف وغير الصيف. وشهر رمضان الوحيد من أشهر السنة الذي ذكره القرآن. ويأتي رمضان مقرونًا دائمًا بكلمة شهر على خلاف بقية الأشهر الهجرية. وله مكانة في نفوس المسلمين منذ فُرض صيامه. وقد اكتسب الشهر الكريم عادات شعبية كثيرة مع مرور الزمن، وبعضها تكاد تكون من أصول الشهر عند بعض المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. على أن أكثر ما ارتبط به شهر رمضان هو فصل الصيف أو الحر، ارتبط به فلا يكاد يُذكر الشهر الفضيل إلاّ ويرد على البال الحر.

لا أعرف لمَ لم ينتبه الأدباء والشعراء في صدر الإسلام إلى أن كلمة صوم في اللغة تعني: الركود والمقام. فلمَ إذن التبرم من طول الشهر

أكثر التفسيرات تميل إلى أن الشهر أخذ اسمه من الرمضاء وهي شدة الحر، والشاهد هنا أن اسمه لم يُتخذ في الإسلام، بل هو قديم وقد عرف العرب صيامه أو جزءا منه.

والجدل التاريخي ما زال غير منفك حول أصل هذه الشعيرة الدينية. ويقول المستشرق جوتين Goitein صيام شهر أو بعض شهر موجود في بعض الديانات مثلما ورد في الألواح الثانية من شريعة النبي موسى عليه الصلاة والسلام، التي نزلت عليه في يوم الكفارة (عاشوراء، ولعل هذا الصيام هو الأصل في صيام شهر رمضان) بينما استعاض الإسلام عن صيام عاشوراء بصيام الأيام العشرة، التي ورد ذكرها في سورة البقرة. ورأي جوتن لا يُستبعد، خصوصًا إذا ما عرفنا أن مصادر الأديان السماوية الثلاثة واحدة.

أما اقتران الصوم بشهر أو أشهر الحر فهذا المبحث ما زال قائمًا، فليس لدينا معلومات كافية عن عدد أيام صيام رمضان قبل الإسلام، ويرى أغلب المؤرخين أنها قد تصل إلى عشرة أيام. لكنها كانت في أحد أشهر الحر في الجزيرة العربية. ولم أعثر على إشارة واحدة في أدب العرب قبل الإسلام تخص طول الشهر. وما ورد في الشعر العربي هو من شعر صدر الإسلام، مثل قول الشاعر:

نُبئتُ أن فتاة جئت أخطبها

عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول

ويظهر أن بعض الأدباء في العصر العباسي قد أخذ في التذمر من طول شهر رمضان أو شدة الحر فيه، وتطور الأمر إلى عداء مستحكم يأتي في شكل تعليقات بذيئة. مثل قول الشاعر:

أتأمرني بالصوم لا در درها

وفي القبر صوم يا أميم طويل

وتورد كُتب الأدب العربي قصصا وأشعارا حول تذمر بعض الأدباء والشعراء من الصوم وطوله وشدة الحر. لكن المتيقن أن الشعراء لم يتجرؤا على هجاء شهر الصوم صراحة. فالبحتري على سبيل المثال كان ضائق الصدر من شهر رمضان، متبرم النفس بطوله، ولم يزد أن قال:

فتروّ من شعبان إن وراءه

شهرا سيمنعك الرحيق السلسبيلا

ويظهر أن الجرأة على هجاء شهر الصوم انكشفت بعدما كتب ابن العميد، وهو رئيس فاضل، جليل الخطر في عصره، مطاع الكلمة في دولته، ثاقب العقل، وضيء التفكير. أقول كتب هجاء لا يصدر من مثله، أشير إلى مقطع صغير مثل قوله: (أسأل الله أن يقرب على الفلك دوره، ويقصر سيره، ويخفف حركته، ويزيل بركة الطول عن ساعاته، ويرد عليّ غرة شوال، فهي أسنى الغرر عندي، وأقرها لعيني، ويطلع بدره، ويسمعني النعي لشهر رمضان) فبعد هذا تجرأ الشعراء رقيقي الدين مثل بديع الزمان الهمذاني جازاه الله بما يستحق.

ولا شك عندي أن رمضان مبارك كله، وفيه من الفوائد الدينية والصحية والنفسية وغيرها كثير. ويكفي أنه شهر يكسر عادات تتحكم في يوم المرء وليلته، وهي ترويض للنفس على الكفاح والاحتمال، وتدريب القلب على الصبر، وسمو بالعقل إلى الصلاح والسداد والتبصر، وتقويم للطباع وردع للأهواء.

وإن كان المسلمون يعانون من الصيام مع شدة الحر في الماضي، إلاّ أن أغلبهم اليوم أقل معاناة. ومع هذا ارتبط الصوم بأمرين طوله وحرارة يومه، وقد يقع شهر رمضان في الشتاء، لكنني لم أعثر على شعر أو نثر ذي بال يعكس الصورة السوداء عن الصيام في القر كما هي الحال في الحر.

ولا أعرف لمَ لم ينتبه الأدباء والشعراء في صدر الإسلام إلى أن كلمة صوم في اللغة تعني: الركود والمقام. فلمَ إذن التبرم من طول الشهر. ويظهر أن شهر رمضان وقع في شهر حار عند فرضه في السنة الثانية للهجرة، ففتحت الشريعة الصيام في أشهر الحر، ما جعل شهر رمضان يلتصق بشهور الصيف أكثر من أي شهر آخر.

aalaskar53@yahoo.com