يواجه الفضاء الإقليمي لإيران سلوكًا سياسيًا يكاد لا يتغيّر منذ ثورة عام 1979 وحتى الآن. ماذا يعني هذا في لغة السياسة والعلاقات الدولية؟
يعني أن إيران تبنت فلسفة: الثبات السياسي بخصوص سلوك مُعين تراه من لوازم ثورتها ومن لوازم بقاء الثورة متقدة. أما السلوك الذي نعنيه هنا فيتمثل في سياستها الطائفية والتوسعية.
وعندي ما يشبه اليقين أن إيران لن تتغيّر، ذلك أن فلسفة الحكم في طهران تقوم على فلسفة (الحشد) من أجل جعل المواطنين يشعرون بالخطر المزعوم، حتى لا يتفرغوا ويعيدوا النظر في حالتهم المتردية
لقد بقي الشحن الطائفي في داخل إيران يؤجج الجوار الإقليمي، بل وتعداه إلى أفريقيا حيث توجد الشيكات الإيرانية الدعوية والجاسوسية، التي تغدق الأموال الطائلة من أجل نشر المذهب الاثني عشري، بين مئات من الشباب المسلم في بلدان لا تعرف من قبل هذه اللغة الطائفية المتشنجة.
حدثني صحفي من نيجيريا قائلاً أنه دهش للمرة الأولى عندما وجد عملاء إيران يغدقون الأموال الطائلة، من أجل تحويل الشباب المسلم السني إلى المذهب الاثني عشري. وأضاف أنه من الغباء أن تفعل إيران هذا الصنيع، في الوقت الذي تنشط الجماعات المسيحية لنشر الدين المسيحي، وبدلاً من أن تساعد إيران المسلم أيّا كان توجهه المذهبي، نجدها تُقدم نفسها وكأنها تدعو إلى دين جديد.
كان الجوار الإيراني ومعه بقية العالم يتطلع لمعرفة مدى التغيّر، الذي يمكن أن يحدث لسياسة الإيرانية منذ الثورة، وعما إذا كانت إيران جاهزة للتحول من دولة ثورة إلى دولة تحترم مواثيق المجتمع الدولي، وتندمج مع الدول الحديثة. لكن النتيجة جاءت على غير ما يتوقع أو يحب كثير من المراقبين. بل رصد المراقبون في المنطقة وفي خارجها أن الثبات السياسي على الطائفية التوسعية، ونشر مبادئ الثورة المذهبية، أديا إلى أمرين خطيرين: الأول أن إيران أصبحت دولة معزولة ليس فقط في فضائها الإقليمي، بل في كثير من المحافل الدولية. والأمر الآخر هو ارتباط توسعها الطائفي بالإرهاب الإقليمي والدولي.
هذا الربط الخطير لم يأت من فراغ، فكثير من الدول رصدت على أرض الواقع دعم إيران للإرهاب الشيعي والسني على حد سواء. أما الإرهاب الشيعي فهو إرهاب دولة، ذلك أن إيران أنشأت على مسمع من العالم مليشيات دينية متشددة تحت مسميات مختلفة، ودفعتها في حروب عبثية خارج الحدود. أما دعمها السري لمساعدات مادية ولوجستية لجماعات إرهابية سنية فلا يحتاج إلى دليل، ويكفي الإشارة إلى العلاقة الوطيدة بين حكومة إيران والقاعدة.
لقد راقب العالم بما في ذلك دول الجوار الإيراني، سلوك إيران خلال وبعد اتفاق تعليق البرنامج النووي وصناعة سلاح الدمار الشامل. وخرج المراقبون الحياديون بأن الاتفاق لن يصمد طويلاً، رُغم الآمال الواسعة التي يعلقها المجتمع الدولي عليه. وهذا ما حدث فلا زال الشد والجذب بين المجتمع الدولي وإيران يراوح مكانه. ونسي المتفائلون أن الدستور الإيراني ينص على حتمية تصدير الثورة. ما يعني أن إيران لن تقف عن تصدير التمدد الطائفي المقرون دائمًا بالإرهاب، الذي هو آلية من آليات الصراع المذهبي، ذلك الصراع الذي دشنته الثورة الإيرانية عام 1979.
لم أجد أن إيران تغيّرت، وإن كان ثمة تغّير فهو تغيّر مصطنع. كانت ولا زالت إيران تصنع الجماعات المتطرفة وتدعمها بأموال طائلة مثل: حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثيين في اليمن، والمليشيات الطائفية في العراق. وكانت ولا تزال تمد يدها تخطيطًا وتنفيذًا لهجمات إرهابية في شتى أنحاء العالم مثال ذلك: تفجير ثكنات المارينز الأميركية في بيروت عام 1983، وتفجير مساكن القوات الأميركية في الخبر عام 1996، والاغتيالات التي طالت نفرا ليس بالقليل في مطعم ميكونس في برلين. أما مواجهة قوات الغزو الأميركي في العراق، فالتقارير الأميركية تشير إلى ضلوع الحكومة الإيرانية في مقتل ما يزيد على ألف جندي أميركي، ومن ثم لصق تلك الهجمات بالمقاومة السنية العراقية.
لقد تعدى الإرهاب الإيراني الطائفي كل حدود العقل والمنطق، فطال الأبرياء خصوصًا الدبلوماسيين والبعثات الدبلوماسية، ولعل أقرب مثال يحضرني هنا هو الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران في الأشهر الأولى من الثورة عام 1997، والهجمات التي تعرضت لها سفارات بريطانيا والكويت والدنمرك وفرنسا وروسيا وأخيرًا سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد.
أما التغول الإيراني في سورية والعراق فلا يحتاج إلى كثير من بيان، ويكفي المرء الاطلاع على تقارير الأمم المتحدة بهذا الشأن لدرجة أن وُصفت حرب إيران إلى جانب بشار الأسد بغزو إيراني رسمي لسورية، ما شكل سابقة في توسع إرهاب الدولة، الذي تمارسه إيران في عدد من دول الشرق الأوسط.
وعندي ما يشبه اليقين أن إيران لن تتغيّر، ذلك أن فلسفة الحكم في طهران تقوم على فلسفة (الحشد) من أجل جعل المواطنين يشعرون بالخطر المزعوم، حتى لا يتفرغوا ويعيدوا النظر في حالتهم المتردية، وفي الأموال التي تغدقها حكومتهم على جماعات ومليشيات خارجية، وحرمانهم منها، ما قد يؤدي إلى ثورة ضد النظام. والأخير ليس بعيدًا رغم قسوة النظام في مواجهة أية بادرة للتغيير.
aalaskar53@yahoo.com


1
Sados315
2016-05-18 16:56:59المهم يا دكتور ماذا عملنا لمواجهة الخطر الإيراني الذي يضع بلادنا بندا هاما في سياسة والعمل علي مهاجمتنا واقلاقنا بشتي الطرق ، اتمني ان نتخلي عن سياسة التحفظ ونعمل مثل ما تعمل ايران فلماذا لا نتدخل في شؤنها ،ان القوة هي الحل الوحيد الذي تفهمه ايران .
2
عامل مساعد
2016-05-18 14:35:09عرفنا المشكلة!ماهوالحل الآن؟
3
د. سليم الرحمن خان
2016-05-18 08:44:55لا شك فيه أن سياستها لن تتغير ، وحتى هذه الأفكار لن تتغير إلا بقدرة الله سبحانه وتعالى وجبروته، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".