الأصل والغاية من إيجاد المرور هو المحافظة على سلامة المارة وتنظيم الحركة وتسهيل وصول الناس إلى غاياتهم في يسر وسهولة وكذا منع كل ما من شأنه أن يقف حجر عثرة في سبيل المارة.

ولا شك أن هذا هدف نبيل ومطلب سام كيف لا وهو يتعلق بأمرين جاءت الشريعة الإسلامية بحفظهما والعناية بهما بل جعلتهما من الضروريات الخمس أو ما يعرف بالكليات الخمس، وهي «الدين والنفس والمال والعرض والنسل».

فالسلامة المرورية تهدف إلى حفظ اثنتين من الضروريات الخمس وهي النفس والمال.

حفظ النفس من الهلاك أو الإعاقة وحفظ المال المتمثل بحفظ المركبات من التلف. وحسبك بهذين الأمرين أهمية في حياة الأمم.

وقبل أن أدخل في ثنايا الموضوع أقدم له بمقدمة توضح أن شريعة الإسلام استوعبت شتى جوانب الحياة وشؤونها، وشملت على كل ما يعرض للإنسان في حياته.

وفيما يظهر فيه شمول الإسلام ما يتعلق بآداب الطريق ومجالس الأسواق وحقوق المارة ونحوها. يقول عز وجل في كتابه الكريم {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}، وقال: {واقصد في مشيك..}. وقال: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}. وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً، ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}. وفي السنة المطهرة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس في الطرقات قالوا مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه» قالوا وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» متفق عليه.

وروى الترمذي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: عدد أبواب الخير فقال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر عن الطريق لك صدقة...» حسنه الألباني.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر الله له» وفي رواية «فأدخل الجنة» رواه مسلم.

وإذا كان هذا الثواب العظيم لمن يكف الأذى فقد جاءت العقوبة بالمقابل مغلظة على من يؤذي الناس في طرقاتهم، ويجلب المستقذرات وينشر المخلفات في طريقهم ومتنزهاتهم. أخرج الطبراني من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم»، حديث صحيح.

كما جاءت السنة بالتوجيه بأخذ الاحتياطات والأسباب الحافظة للمسلم من الزلل أو الاعتداء على الغير فعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال - يعني إذا خرج من بيته - بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله... يقال له كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان». ومن ذلك دعاء الخروج من المنزل «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ» رواه الترمذي وصححه.

هذا غيض من فيض مما جاء في السنة النبوية الكريمة من مبادئ وقيم وأخلاق ترسخ مفهوم التعامل مع الآخرين.

ومن وجهة نظري فإن ما ينقص المواطن السعودي هو التوعية والتثقيف، وترسيخ مبدأ احترام الأنظمة واللوائح والتقيد بالسلامة المرورية فهذا ما يحتاجه الصغار قبل الكبار.

إن كل من سافر خارج المملكة للبلاد البعيدة أو حتى المجاورة يلحظ الفرق الواضح في الانضباط واحترام الآخرين والتزام قواعد المرور.

بل حتى العمالة الوافدة هي الأخرى دب فيها الداء، فربما كانت متقيدة في بلدها فإذا اصطدمت بالواقع المحزن والمخجل أحياناً تأثرت به سلباً لا إيجاباً ولسان حالها أو مقالها المثل المعروف «مع الخيل يا شقرا» وفي أحيان كثيرة تلحظ أن تلك العمالة إنما تعلمت وقادت في شوارعنا.

إن الخلل لا يكمن في الأنظمة واللوائح، وإن كانت لا تخلو من ملاحظة أو قصور، خاصة وان نظام المرور الجديد ينتظر صدور الموافقة السامية بعد دراسته في مجلس الشورى لفترة طويلة وهو نظام متكامل يعالج سلبيات وثغرات النظام الحالي.

كما أن الخلل ليس في هندسة السير، فالطرق والشوارع لدينا وكذا استعمال التقنية الحديثة يفوق كثيراً من المدن الكبرى في العالم بل ربما كان أفضل من واقع المدن في البلاد المتقدمة.

إن مكمن الخلل لدينا يكمن في مجموعة أسباب أهمها: التساهل وعدم الجدية في بعض الأحيان في تطبيق الأنظمة، وفي محدودية وعي المواطن، وتساهله أو عدم تقديره واحترامه للأنظمة، وتحايله عليها.

وبهذه المناسبة فقد اطلعت عبر بريدي الالكتروني على استراتيجية السلامة المرورية لمدينة الرياض بإشراف ومتابعة سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز ورئاسة سمو نائبه وعضوية معالي الأمين وعدد من وكلاء الوزارات المعنية، فألفيتها استراتيجية طموحة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

وأجدها فرصة مناسبة لاطلاع القارئ الكريم على بعض بنودها وما احتوته من حقائق ومعلومات قيمة تهدف إلى تقليل حالات الوفاة والإصابات الناجمة عن حوادث الطرق خلال العشر سنوات القادمة وخطة تنفيذية خمسة محدداً بها الفترة الزمنية لتنفيذ المهام.

ومن أبرز ما جاء فيها:

  • تأسيس نظام حديث لجمع وتحليل معلومات الحوادث المرورية، ويعتمد على احداثيات المواقع الجغرافية (GPS) لتحديد مواقع الحوادث وربطها بالخريطة الرقمية لمدينة الرياض، وقد نما إلى علمي انه على وشك التطبيق خلال الاسابيع القادمة.

  • بناء أول خريطة حوادث مرورية لمدينة الرياض تساهم في التعرف على الطرق والتقاطعات التي تشهد أكبر عدد من الحوادث الخطرة، وكان نتائج ذلك تحويل تقاطعات شارع الشيخ جابر شرق الرياض إلى دوارات، وأدى هذا الجهد المشكور لتقليل الحوادث بشكل ملحوظ.

  • إعادة تأهيل أكتاف الطوارئ على الطرق الدائرية وقد كانت في السابق سبباً لحوادث مميتة.

  • البدء في عمليات تطبيق ضبط السرعة على الطرق الطويلة وإجراءات تهدئة حركة المرور داخل الأحياء، وتطوير نظام الحد من حوادث الانزلاق.

  • الرفع من مستوى السلامة المرورية عند المساجد والمدارس.

  • تطوير غرفة عمليات جمعية الهلال الأحمر بمنطقة الرياض وتزويد سيارات الإسعاف بأجهزة مزودة بنظام (GPS) لوصولها لمسرح الحادث في زمن قياسي.

وتتميماً لما جاء في تلك الاستراتيجية الطموحة أورد بعض المقترحات ومنها:

1- استخدام الدراجات المرورية للمعالجة السريعة للحوادث أو الزحام الناتج من تعطل بعض السيارات.

2- القيام بحملة إعلامية توعوية مكثفة تركز على تحديد الفئات المستهدفة وعلى الأسباب الرئيسية للحوادث.

3- رفع مستوى الوعي بالسلامة المرورية وترسيخها من خلال المقررات الدراسية.

4- إصدار قرار يمنع استخدام الجوال أثناء القيادة.

5- خصخصة سيارات السحب، فقد يكون أسرع في الاستجابة ودراسة إمكانية خصخصة سيارات الإسعاف والهلال الأحمر.

6- تبني إدارة المرور لبرنامج توعوي لرجال المرور يهدف إلى وضع حد لمسألة المحسوبيات والشفاعات خاصة للمستهترين بالأرواح والأنظمة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه القضية من رجال المرور أو غيرهم وأهمية التفريق بين التسامح والحزم واللين والشدة واستعمال كل منهما في موضعه.

7- ضرورة الاستمرار في الحملات الأمنية لضبط المخالفين وخاصة السرعة الزائدة وقطع الإشارة وقد تحقق جزء من إيجابياتها ولله الحمد من خلال تدني نسبة الحوادث والوفيات والاصابات حسب إفادة المستشفيات والاحصائيات المعلنة.

8- ضرورة الحزم في الاستمرار بمنع الدراجات داخل النطاق العمراني والتي أسيء استعمالها من قبل فئة مترفة من الشباب.

وأخيراً: فلا يخفى على كل متابع لتلك الخطوات الواثقة نحو التغيير والتطوير في الإمكانات المادية والكوادر البشرية يقف وراءها رجال مخلصون يعملون بصمت، يأتي في مقدمتهم سعادة مدير الإدارة العامة للمرور اللواء فهد بن سعود البشر وسعادة مدير مرور منطقة الرياض العقيد عبدالرحمن بن عبدالله المقبل وكافة الاخوة المخلصين الساهرين على راحة الوطن والمواطن من ضباط وأفراد.

بارك الله في الجهود، وكلل المساعي بالتوفيق والتسديد، ولا شك ان المشوار لا يزال طويلاً ولكن كما يقال «مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة» والله الهادي إلى سواء السبيل.

٭ عضو مجلس الشورى