ذكرت فيما سبق، بأنني سأركز في هذه المقالة على الإنسان في الربع الخالي، واختتمها بإبراز بعض المقترحات والآراء التي تمخضت من خلال الرحلة إلى منطقة الربع الخالي. وقبل البدء أود القول بأن هناك من يحلو لهم أن يطلق اسم «الربع الغالي» على ما يُعرف بالربع الخالي وذلك لجغرافية هذا الإقليم المميزة، ولوجود الإنسان منذ القدم في صحرائه الشاسعة، بالإضافة إلى الثروات الطبيعية التي يتمتع بها. فإلى جانب المياه الوافرة التي تحدثنا عنها في الحلقة الماضية، تنام رمال الربع الخالي على ثروات طبيعية ضخمة، بعضها مكتشف ومعروف والبعض الآخر في الطريق إلى الاكتشاف، مما يزيد من أهميته ويعزز مكانته. ومن أبرز الثروات النفطية، يقع حقل الشيبة في وسط عروق الشيبة في الجهة الشمالية الشرقية من الربع الخالي. وهو من الحقول المهمة لأنه يحتوي على بلايين البراميل من الزيت العربي الخفيف جداً ذي الخصائص الممتازة. وإلى جانب حقل الشيبة، يقع الطرف الجنوبي لحقل الغوار، أكبر حقل بترولي في العالم، في شمال الربع الخالي، وبالتحديد في منطقة يبرين.

الإنسان في الربع الخالي:

على الرغم من أهمية إنسان الربع الخالي وتراثه ونمط حياته، فإن دراسات الإنسان نادرة وتكاد تنحصر في مشاهدات الرحالة الأجانب وبعض الكتابات الأخرى هنا وهناك. وعلى أية حال، ينقسم السكان في الربع الخالي إلى قسمين:

(1) المستقرون وشبه المستقرين في المدن والهجر، وهم يمثلون الأغلبية. فقد كانت أضواء المدن جاذبة، وإغراؤها قوياً، بحيث جذب معظم سكان الصحراء للاستقرار في المدن والهجر داخل الربع الخالي وخارجه، إما طلباً للعمل والدخل المستقر الدائم، أو طمعاً في الخدمات التعليمية والصحية لأبنائهم. فمن الملاحظ انكماش نمط البداوة وتقلصه خلال العقدين أو الثلاثة الماضية في المملكة بوجه عام وفي الربع الخالي على وجه الخصوص. ولكن هناك فئات من سكان البادية يستقرون في المدن والقرى لبعض الوقت، ثم ينتقلون إلى الصحراء بماشيتهم وراء الكلأ حيثما تهطل الأمطار وتنمو الأعشاب. أما قسم آخر منهم فيفضل أن تستقر الأسرة (الزوجة والأبناء أو بعضهم) في المراكز العمرانية لتلقي تعليمهم، في حين يتنقل الأب (رب الأسرة) بين مكان استقرار أسرته ومكان وجود قطعان ماشيته التي يساعده في العناية بها رعاة من خارج المملكة.

(2) الرحل الذين يقطنون الصحراء ويتنقلون من مكان إلى آخر، وهم قلة قليلة، على الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة ترصد أعدادهم وخصائصهم. ومن خلال الرحلة في الربع الخالي، علمنا بأن بعض الأسر البدوية تستقدم أحد العرب، وخاصة من السودان أو مصر، للقيام بتعليم أبنائهم أصول القراءة والكتابة والحساب، ليلتحق بعضهم - بعد ذلك - بإحدى المدارس القريبة عن طريق الانتساب.

قبائل الربع الخالي:

هناك قبائل كثيرة تقطن الربع الخالي أو بعض أطرافه. وتتميز كل قبيلة بتقاليدها وعاداتها المميزة لها. ومن القبائل التي تقطن الربع الخالي، قبيلة آل مرة ويرتبط اسمها بالربع الخالي، ويقطن أفرادها في معظم أجزائه، وآل كثير (ومنهم آل راشد والعفار وآل خوار) ويتركزون شرق الربع الخالي، أما قبيلة الصيعر فهم في الجنوب بالقرب من شرورة. ومن قبائل الربع الخالي - أيضاً - المناهيل الذين يتركزون في الخرخير وما حوله، والمهرة في جنوب الربع الخالي في مناطق الحدود مع عمان واليمن، أما قبيلة يام فتقطن الجزء الجنوبي الغربي، والدواسر في الجزء الغربي، كما يتخذ المناصير والعوامر المناطق في الشمال الشرقي من الربع الخالي مقراً لهم. وقد تسنى لنا مقابلة أفراد من بعض هذه القبائل.

اللغة المهرية في جنوب الربع الخالي:

ومن أكثر الأمور إثارة سماع أفراد قبيلة المهرة يتحدثون بلغتهم المحلية التي لا يمكن لأحد فهمها أو فك رموزها إلا من يتقن هذه اللغة ويعرف أصولها. وهذه اللغة تبدو من اللغات القديمة جداً السائدة في شبه الجزيرة العربية. ولا شك أن هذه اللغة تستحق الاهتمام من قبل علماء اللغة والمتخصصين في اللغات القديمة من علماء التاريخ والآثار، إذ لا أعلم بدراسات علمية لبنية هذه اللغة وتراكيبها وأصولها.

العمران في الربع الخالي:

لا يوجد في الربع الخالي إلا عدد قليل من المدن والهجر (الدائمة وشبه الدائمة!).. فعلى اتساع مساحته وترامي أطرافه، تتركز معظم المراكز العمرانية في الأطراف الشرقية والجنوبية والغربية والشمالية. ولا توجد مراكز عمرانية تذكر في وسط الربع الخالي لصعوبة الصحراء وقسوتها. فطرق القوافل التي يسلكها المسافر هذا اليوم - على سبيل المثال - يمكن أن تختفي غداً تحت الرمال المتحركة. ومن الملاحظ أن بعض الهجر يقطنها البدو في بعض المواسم فقط، مثل الشلفا بالقرب من يبرين. فلم نجد بهذه الهجرة عندما مررنا بها إلا ثلاثة من العمالة الوافدة يقومون برعاية بعض الإبل التي فضل أصحابها أن تبقى بالقرب من هجرة الشلفا بدلاً من الانتقال إلى شمال المملكة مع قطعانهم حيث تتوفر المراعي المناسبة بعد أن حظيت تلك المناطق بهطول الأمطار هذا العام.

ويُلاحظ صغر أحجام المراكز العمرانية في الربع الخالي، باستثناء شرورة ويبرين. وتنقسم هذه المراكز في تبعيتها الإدارية بين منطقة نجران والمنطقة الشرقية. فبعضها يتبع لمحافظة الأحساء مثل يبرين والخن وأم أثلة، والبعض يتبع لمقر إمارة المنطقة الشرقية بالدمام مباشرة مثل عردة والسحمة وذعبلوتن.

كما أن هناك بعض الهجر التي تتسم باستقرار دائم لسكانها، في حين أن بعضها الآخر لا يستقر بها السكان إلا في مواسم معينة وخاصة في فصل الصيف. ويوجد في الربع الخالي 18 هجرة لقبيلة آل مرة لوحدها، منها - على سبيل المثال لا الحصر - يبرين ويقطنها آل جابر من آل مرة، والشلفا ويقطن بها آل جلاب، .والخن والحفاير ويقطن بها آل حسناء من آل مرة، وحرض وتقطنها أسر من آل مرة ينتمون إلى فخوذ متعددة ولكن أغلبهم من آل هادي بن زايد، وغيرها، مما سيأتي الحديث عنها في المستقبل عند الحديث عن قبائل الربع الخالي.

ويمكن تصنيف الهجر في الربع الخالي إلى نوعين: النوع الأول عبارة عن هجر ذات استقرار دائم، وتتوفر بها معظم الخدمات الضرورية كالتعليم والصحة والكهرباء مثل يبرين والخن وأم أثلة وحرض وذعبلوتن وعردة. والنوع الثاني لا تتوفر بها الخدمات وبالتالي يكون الاستقرار بها موسمياً أو شبه دائم. ويمثل هذا النوع معظم الهجر. وبناء عليه، يتضح أن معظم الهجر تفتقر إلى الخدمات الأساسية وبخاصة التعليم والصحة والمياه الصالحة للشرب. وفي بعض الأحيان، فإن عدم وجود استقرار دائم للسكان في بعض الهجر أدى إلى صعوبة توفير الخدمات العامة فيها.

كرم لا ينسى في الربع الخالي:

عُرف العرب بكرمهم، وخاصة سكان الصحراء. فمع قسوة الصحراء وصعوبة الحياة بها، تجد الإنسان كريماً لا يتأخر في استقبال الضيوف والقيام بالواجب تجاههم في كافة أرجاء الربع الخالي بدءاً من حرض إلى الشيبة، وعردة، والسحمة، وذعبلوتن، والخرخير، ويبرين.. فكان لأعضاء الرحلة شرف مقابلة العديد من شيوخ القبائل الذين تميزوا بكرمهم ونبل أخلاقهم على الرغم من كثرة عدد المشاركين في الرحلة وصعوبة استضافتهم. وتشرفنا - في الحقيقة - بمقابلة بعض الشخصيات المميزة بأخلاقها وكرمها وحسن استقبالها. ومن هؤلاء الشيخ سالم بن سليم العفاري، شيخ قبيلة العفار في هجرة سحمة، والشيخ صالح بن كلوت ووالده الشيخ محمد بن صالح بن كلوت الذي رافق الرحالة ثيسجر (مبارك بن لندن) وذلك في هجرة ذعبلوتن. كما كان لنا شرف مقابلة محافظ الخرخير فيصل الودعاني، وبعض مشايخ القبائل في تلك المحافظة، والشيخ محمد بن هادي الرشيدي، والشيخ جفران بن سعد المري. ولا ننسى وقفات ومساعدة رجال سلاح الحدود الذين رافقوا الرحلة في بعض الأماكن الصعبة وقدموا خبراتهم في معرفة مسالك الربع الخالي ودروبها. كما لا ننسى - أيضاً - رجال الربع الخالي، ومنهم: مزعل صالح آل معروف الصيعري، وعبد الهادي بن جرود آل عوير المري (الدليلة)، وسعيد عبد الله سعيد المهري، ومبخوت سالم بن دحيان، وعبد الهادي صالح العرق وغيرهم كثير.

في يبرين انتهت الرحلة:

وانتهت الرحلة في يبرين بحفل استقبال مميز نظمه شيخ قبيلة آل مرة، الشيخ سالم بن فيصل المرظف آل جابر المري وأهالي يبرين. واشتمل الحفل على العرضة وبعض الفلكلور والقصائد الخاصة بقبيلة آل مرة. وتميز هذا الاستقبال بطعم خاص ترك انطباعاً جيداً وذكريات جميلة لا تنسى..! ولا ينسى هذا الحفل الذي استقبل فيه أهالي يبرين أعضاء الرحلة العلمية ببشاشة وطيبة، شجع مشاركة أعضاء الرحلة في الرقصات الشعبية التي تخللت الحفل. واُختتمت الرحلة بوقفة مثيرة. (ومثيرة جداً!!) على المقابر القديمة التي تزخر بها واحة يبرين. مقابر تقع بين المزارع وبعيدا عنها على هيئة تلال، قد يظنها الإنسان العادي تلالاً طبيعية، ولكنها - في الواقع - تمثل مقابر قديمة، بعضها قد يكون مقابر جماعية، كما يذكر ذلك علماء الآثار الدكتور عبد الله الشارخ والدكتور عوض الزهراني وكذلك الشيخ عبد الله الشايع. وهذه المقابر لا بد أن تكون ذات قيمة ثقافية وعلمية عظيمة، لذا ينبغي أن تحظى بالاهتمام قبل أن يدمرها التوسع العمراني والاستصلاح الزراعي للتلال التي تقبع المقابر تحتها.

التوصيات

من خلال هذه الدراسة والمشاهدات الأولية خلال رحلة الربع الخالي، يمكن إيجاز بعض التوصيات على النحو التالي:

٭ دعم دراسات الربع الخالي وتشجيع إجراء دراسة تفصيلية عن سكان الربع الخالي من النواحي الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية لمعرفة أوضاعهم المعيشية والصحية (الفقر، البطالة، الإعاقة وغيرها)، وعن حالة المراعي وتأثير الإنسان عليها، وكذلك عن المراكز العمرانية وأوضاعها وإمكانات النمو المستقبلية بها. أقول ذلك لأن الإنسان في هذا الجزء الغالي من بلادنا لم يحظ بدراسات ذات شأن.

٭ تنمية المراكز العمرانية (الهجر والقرى والمدن) وخاصة أنها مراكز عمرانية حدودية، وذلك من خلال توفير الخدمات بها ودعم الأنشطة المناسبة حسب الإمكانات المتوافرة، بما لا يؤثر على البيئة العذراء والطبيعة الساحرة. وبناء عليه، فلا بد أن يكون التطوير والتنمية في سياق ما يُعرف بالتنمية المستدامة، أي التنمية التي تحقق احتياجات الحاضر دون الإضرار أو التضحية بمقدرات الأجيال القادمة.

٭ توفير المياه الصالحة للشرب في الهجر والمناطق السكنية، خاصة وأن معظم مياه الآبار في الجزء الشرقي غير صالحة للشرب لملوحتها أو لاختلاطها بمواد أخرى مثل الكبريت.

٭ زيادة الوعي لدى أبناء البادية بأهمية المحافظة على البيئة وحمايتها من الرعي الجائر والتلوث.

٭ إجراء دراسات علمية للغة المهرية المحلية المنتشرة بين أفراد قبيلة المهرة التي ربما ترجع إلى أصول قديمة جداً من قبل علماء اللغة والآثار لمعرفة أصولها وخصائصها.

٭ إعداد أفلام وثائقية عن حياة بدو الربع الخالي، فأغلب الأفلام التي تعرض عن البدو الرحل وأنماط حياتهم قامت بإعدادها مؤسسات من خارج المنطقة العربية، وبخاصة الغربية.

٭ النظر في إمكانية جعل «الربع الخالي» منطقة إدارية ضمن المناطق الإدارية في المملكة وذلك لمساحته الشاسعة والتجانس في سماته الجغرافية والسكانية من جهة، والمسافة الطويلة بينه وبين منطقة نجران أو المنطقة الشرقية من جهة أخرى، بالإضافة إلى ما يتمتع به من ثروات طبيعية. ويأتي هذا الاقتراح تأييداً لمقترحات طرحت في السابق على صفحات جريدة «الرياض» الغراء.

٭ أتمنى لو نظمت الجامعات السعودية رحلات علمية للمناطق التي لم تنل نصيباً من الدراسات من أجل تسليط الأضواء عليها وتشجيع الباحثين لدراستها.

ختاماً، على الرغم أن الرحلة الاستكشافية العلمية للربع الخالي يمكن أن تكون أكثر نجاحاً، إلا أنها أثارت تساؤلات كثيرة في أذهان الباحثين، وحفزتهم لإجراء مزيد من الدراسات العلمية، وسلطت الأضواء على هذا الجزء الغالي من بلادنا، مما سيؤدي - بإذنه تعالى - إلى مزيد من الاهتمام بهذا الإقليم أرضاً وسكاناً.. وإلى الملتقى.

٭ أستاذ جغرافية السكان - جامعة الملك سعود