لا مشاحة أن منيخاً كانت بلدة صغيرة تقع في أسفل الجبل الذي يحمل اسمها الآن. ومن المؤسف أننا لا نجد بين أيدينا مصادر تساعدنا على استقراء تاريخ منيخ بالشكل المطلوب. ولكننا نستطيع أن نقول أن منيخاً أصبحت ضاحية صغيرة من ضواحي المجمعة فيما بعد. وهنا بعض اللمحات الصغيرة عن تاريخ المجمعة، رغبت في تقييدها لكثرة ما رأيت من اجتهادات لا تمت للواقع التاريخي بصلة.

تقع المجمعة، وهي مدينة هضبية، على وادي المشقر القادم من منحدرات سلسلة جبال طويق الشرقية. ويتراوح ارتفاع موقعها ما بين 697- 738م عن سطح البحر. ويدعى موقع المجمعة بالموقع البؤري، الذي يتمثل في التقاء خطوط النقل والحركة القادمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

أشار الهمداني إلى ازدهار مستوطنات بني تميم في وادي الفقي (سدير) في القرون الثلاثة الهجرية الأولى. ثم اندثرت في القرن الرابع الهجري، وتلاشى سكانها. ثم ازدهرت في منتصف القرن التاسع الهجري مع قدوم هجرات من بني تميم من الوشم وجبل شمر. لكن الهجرة الأكبر كانت لعوائل من بكر بن وائل. أما ابن فضل الله العمري (ت749هـ) في كتابه: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. وصف مناطق عديدة في منطقة اليمامة، ومنها وادي القرى (وادي سدير). ونقل عن أحد سكان الوادي معلومات بلدانية وسكانية. ومنها نستشف أن تأسيس بلدات سدير ومنها بالطبع المجمعة ما هو إلا اعادة بناء واستيطان في مواقع قديمة. أكثر بلدان سدير فقدت اسمها الأول قبل القرن العاشر الهجري. ونستطيع أن نعطي مثالاً واضحاً من منطقة العارض. فمدينة الرياض التي بنيت على أنقاض وأطلال الحجر القديمة، وهذا دليل على أن المستوطنات الحديثة بنيت على أساس استقرار بشري وزراعي سابق، ولم تكن في أغلبها بدعاً كما يذهب إلى ذلك بعض المؤرخين.

على أن حركة البدو في المنطقة كانت هي الأبرز منذ القرن الثامن الهجري حتى استكمال حركة الاستقرار والاستيطان في بلدات سدير حوالي القرن الثاني عشر الهجري. ويبرز من بدو نجد في الفترة 850- 1150هـ: بنو لام، المغيرة، الفضول، الكثير، وكانوا المسيطرين من القرن السابع إلى العاشر. ثم : زغب، سبيع، السهول، آل عايض. (ذكر ابن فضل الله العمري ان عشائر من آل عائض يسكنون في سدير في القرن الحادي عشر.

حمد بن محمد ابن لعبون (ت1255هـ) هو المصدر الأقدم الذي أشار إلى تأسيس المجمعة وحرمة والتويم وإلى استيطان بكر بن وائل فيها. ومن جاء بعده من المؤرخين أمثال ابن عيسى والبسام اعتمدوا على رواية ابن لعبون. والملاحظ أن رواية ابن لعبون لا تتطابق مع تفصيلات النسب التي أوردها في تاريخه. وبحساب الجيل - 30- فإن التويم مثلاً كان يجب أن تؤسس في منتصف القرن العاشر الهجري لا كما ذكر في سنة 700هـ.

ومثل هذا يقال عن تأسيس المجمعة. يقول ابن لعبون: عثمان بن حمد بن علي بن سيف بن عبدالله الشمري، وابراهيم بن عبدالله بن ابراهيم بن سيف بن عبدالله الشمري، كلاهما من الجيل الرابع (الجيل 30) للمؤسس عبدالله الشمري. وذكر الشاعر حميدان الشويعر أن عثمان هو رئيس المجمعة. وحميدان الشويعر عاش في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري. وابن عمه ابراهيم الذي أصبح فقيه المجمعة المشهور في المدينة المنورة. ويلاحظ أن والد ابراهيم واسمه عبدالله هو الذي هاجر من المجمعة إلى المدينة المنورة وتوفي بها عام 1140هـ. وعلى يدي ابراهيم درس الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وابراهيم توفي عام 1189هـ. وبحسبة بسيطة فإن المجمعة لم يكن بالامكان تأسيسها في القرن التاسع الهجري.

والملاحظ أيضاً ان التاريخ الذي أعطاه ابن لعبون لتأسيس حريملاء هو سنة 1045هـ وهو تاريخ قريب جداً من الواقع. والسبب في ذلك أن حريملاء أسست من قبل اسرة لا تمت إلى آل مدلج عشيرة المؤرخ ابن لعبون بصلة النسب. وكذلك حريملاء بعيدة عن تلك البلدتين، ولم يكن هناك خلافات حول الحمى. بالاضافة إلى أن موقع حريملاء تم شراؤه بمبلغ 600أحمر (قطعة ذهبية) وهكذا لم يعد بالامكان ايجاد دوافع للرواة الذين نقل عنهم ابن لعبون من إرجاع تأسيس البلدة قرنين إلى الوراء لأجل غرض الحمى.

انثالت عندي هذه اللمحات بعد قراءتي لكتاب ومطوية أهدانيهما الأستاذ فهد بن عبدالرحمن الربيعة مشكوراً. الكتاب عنوانه: (مرقب جبل منيخ: التقرير التاريخي والآثاري. والمطوية عنوانها: مدرسة الشيخ أحمد الصانع بالمجمعة: قصة تاريخ وعنوان حضارة). وكلا العملين طبعاً سنة 1421هـ. وهما من منشورات وكالة الآثار والمتاحف. وكلاهما نشرا بدعم من مؤسسات خاصة. أما المطوية فهي عمل جليل يستحق الذكر والشكر. وقد جاء مختصراً ويحتوي على صور جميلة. وليس لديّ ما أقوله عن المطويات. أما الكتاب فهو ما دعاني لتقييد اللمحات السابقة.

ولابد من الاعتراف بالجهد الواضح في محاولة ترسم تاريخ منيخ. وهو ترسم لم يحالفه الحظ، ذلك أن ما ورد في الكتاب لا يتحدث عن تاريخ منيخ، بل عن تاريخ المجمعة الذي شغل الصفحات من 8- 33.وهو تاريخ متأخر عن تاريخ منيخ. ثم هناك حديث طويل عن الحصون والعناصر المعمارية والحرب والأسلحة، وهو حديث عام لا يخص منيخاً أو برجها. ثم الاتكاء على مراجعة ثانوية. ويعتري الكتاب أخطاء مطبعية كثيرة جداً، وأغلاط وتكرار ربما مرجعهما إلى النقل.

اعترف ان هذا الكتاب محاولة أولى للكتابة عن منيخ. لهذا يحسب له الريادة. صحيح أن معد الكتاب جزاه الله خيراً، لم يتوصل لمصادر كافية للكتابة عن منيخ. وصحيح أيضاً أنه وقع في أخطاء منهجية ما كان لمثله أن يقع فيها. وأول تلك الأخطاء التاريخية اعتبار منيخ اسماً لبرج المراقبة فقط. والشاهد أن منيخاً كانت بلدة قديمة، وقد تلاشت منذ القرن الرابع الهجري. أما المجمعة فهي بلدة موقعها الأول ليس بالقرب من منيخ، بل في جوار ما يسمى اليوم بالسواج وباب القنطرة.

كما لا يحسن اعتبار أشي (وشي) ضاحية من ضواحي المجمعة. كما لا يقبل القول بأن تاريخ تأسيس المجمعة يعود لفترة زمنية أقدم من 820هـ وهي السنة التي ذكرها بن لعبون. ثم الاتكاء على مرجع حديث جداً. وقد حاول معد الكتاب الكريم تتبع الأسر الأولى التي استوطنت المجمعة. ولكنه بدلاً من ذكر الأسر بدأ بذكر القبائل فذكر باهلة ثم بنو حسين وزعب آل أبي سعيد ثم التواجر ثم آل الحقيل ثم آل عسكر (والأسماء الثلاثة الأخيرة ليست مسميات قبائل بل أسر).

عقد معد الكتاب فصلاً عنوانه: الدور السياسي للمجمعة. وذكر سنوات ابتسرها من تاريخ ابن بشر. وبالنظرة في السنوات التي اختارها فإنها لا تدل على دور سياسي بنفسها، وبمعزل عما يفسرها ويضعها في مكانها من التاريخ السياسي العام للمنطقة. هذا العمل يحتاج إلى إعادة نظر في محتواه وأسلوبه ومنهجه (الأخطاء المطبعية والأسلوبية والمنهجية تقع تقريباً في كل صفحة). أما الترجمة الانجليزية فهي ترجمة ركيكة وحرفية ولا تؤدي المطلوب منها. ولعلي اسأل وكالة الآثار والمتاحف لماذا تقدم على نشر كتاب عن موقع مهم دون مراجعته من قبل مختصين لديها وهم كثر ولله الحمد؟ وسأرسل للأخ فهد الربيعة مراجعة للكتاب لتلافي الأخطاء والأغلاط عند إعادة طبعه.