التبعية والاستقلال تبدوان للدارس والقارئ وكأنهما من الأدبيات السياسية والاقتصادية والثقافية العالم ثالثية والتي ارتبطت بمفهوم المرحلة الاستعمارية والهيمنة الغربية، إلا أن هذا المقال يحاول تسليط الضوء على التاريخ الأوروبي الحديث وخصوصاً منذ الحرب العالمية الأولى والثانية وحتى نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن، من أجل فهم مسألة الحركة السياسية والاقتصادية والدورة التاريخية غير المغلقة.

على الرغم من الثورة الفكرية التي عاشتها أوروبا والحضارة الغربية خلال القرون الثلاثة التي سبقت القرن العشرين، إلا أن هذا التطور والثورة الفكرية كانت مرتبطة بأكثر المراحل الأوروبية عنصرية واحتقاراً للآخر، تمثل بالاستعمار العنصري ونهب ثروات الشعوب الأخرى واستعبادها، هذه الحالة من الفكر والعمل دفعت إلى تطور اقتصادي وتقني هائل وكبير للعالم الأوروبي نتيجة لنهب ثروات الشعوب والعالم الآخر، دفعت إلى تقدم تقني واقتصادي هائل نتج عنه أطماع وصراعات أوروبية أوروبية سواء على مستوى العالم تمثل في سباق المستعمرات أو على المستوى الأوروبي تمثل في الحرب العالمية الأولى والثانية، هاتان الحربان اللتان أجهزتا على القوة الأوروبية بشكل كبير وفتحتا الباب أمام القوة الأمريكية الماردة والهائلة والقوة السوفييتية السابقة المنافسة على المستوى العسكري.

هذه القوة الأمريكية والحرب الباردة والحربان العالميتان خلال القرن العشرين، كانت بمثابة العالم الأكثر أهمية لوضع أوروبا بكاملها تحت مطرقة التدخل الخارجي الأمريكي ولم يكن هناك ما يساعد على إثارة التساؤل والتململ حول هذه الهيمنة سوى عاملين هما:

أولاً: اتفاقية الحديد والصلب بين فرنسا وألمانيا خلال نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وهي الاتفاقية التي مهدت للوحدة الأوروبية الحالية، أي كان هناك محاولة فرنسية ألمانية مبكرة لوجود قاعدة أوروبية يمكن لها أن تقاوم الهيمنة الأمريكية على أوروبا ببعدها الاقتصادي والتي تحولت إلى الوحدة الأوروبية بعد مرحلة من التطوير والشد والجذب، أي أن هذه الاتفاقية وضعت الإطار السياسي والاقتصادي من أجل فك الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية على أوروبا.

ثانياً: كان لانهيار الاتحاد السوفييتي السريع وغير المتوقع وبدون حرب أو هزات سياسية وعسكرية عنيفة الأثر الأكبر على كل من فرنسا والمانيا بسلامة توجهاتهم، ولذلك حاولت هاتان الدولتان إلى استفادة الوحدة الأوروبية من هذا الزلزال الهائل من أجل ضم المزيد من الأراضي الأوروبية للوحدة الأوروبية بدون مقاومة حقيقية من أجنحة أوروبا المختلفة أو من الولايات المتحدة الأمريكية مع غياب حقيقي لمؤثرات خارجية سواء من روسيا الضعيفة أو آسيا البعيدة.. هذا الحدث السياسي دفع الوحدة الأوروبية وبقيادة كل من فرنسا والمانيا من أجل دخول أكبر عدد من الدول الأوروبية من وسط وشرق أوروبا إلى الاتحاد الأوروبي خصوصاً بعد اسكات الولايات المتحدة الأمريكية بادخال بعض هذه الدول في حلف الناتو وتعزيز تعاونها العسكري والاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إسكات هذه الأخيرة لانضمام هذه الدول للوحدة الأوروبية.

ومن جانب آخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تهدف من ادخال هذه الدول وتشجيعها للانضمام إلى الوحدة الأوروبية من أجل ارباك العمل الأوروبي وتهدئة اندفاعه حين ادخال مزيد من الدول للوحدة الأوروبية والتي يمكن أن تكون أقل استعداداً سياسياً واقتصادياً للدخول في هذه الوحدة الأوروبية ومن طرف ثان فإن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت تعزيز تواجدها داخل الوحدة الأوروبية عبر هذه الدول وتعزيز خط بريطانيا القريب من وجهة النظر الأمريكية خصوصاً مع دخول بولندا الحليف القوي للولايات المتحدة الأمريكية.

إن الدرس الذي يستفيده الباحث السياسي والمحلل الاستراتيجي هو أن الوحدة الأوروبية وتطورها ثم انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الهاجس الأمني والعسكري عن أوروبا دفع إلى طرح مفهوم الاستقلال السياسي الحقيقي لأوروبا بعيداً عن الهيمنة السياسية والعسكرية الأمريكية خصوصاً في الوقت الذي تعمل فيه منظمة الناتو هناك على بناء للجيش الأوروبي الموحد والذي سوف يكون الوريث الشرعي لقوات حلف الناتو على المدى المتوسط والبعيد وبالتالي تكتمل مرحلة الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة الأمريكية.

إن مرحلة الاستقلال الأوروبي عن أمريكا بدأت مع الوحدة الأوروبية وزوال الخطر العسكري والأمني السوفييتي وولادة الجيش الأوروبي الموحد.

وقبل أن نصل بالتحليل إلى نهايته الطبيعية وهو حدوث استقلال حقيقي أوروبي عن الهيمنة الأمريكية فإنه ما زال الأوروبيون أمامهم العديد من العوائق والتحديات لعل أهمها وأبرزها:

1- قدرة أوروبا على استيعاب ودمج الدول الجديدة داخل الإطار السياسي والاقتصادي والأمني الأوروبي، وهذا العمل يحتاج من الجهد والعمل الدؤوب ما يأخذ وقتاً وليس مضمون النتائج، خصوصاً وإن هذه الدول بعضها من الارتباط الهائل بالولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها من الضعف ما يجعل دمجها يأخذ وقتاً طويلاً وعملاً شاقاً ناهيك عن التكلفة الاقتصادية والسياسية لهذا الدمج.

2- إن العديد من الدول الجديدة والتي انسلخت من الهيمنة السوفييتية لم تشبع حالة الاستقلال وروح الوطنية لديها بما يكفي، ولذلك فإن جزءاً من هذه المقاومة الوطنية سوف يظل موجوداً لمرحلة قادمة خصوصاً في بولندا وبعض دول أوروبا الشرقية.

3- إن هناك مقاومة للوحدة الأوروبية من داخل أوروبا نفسها، وخصوصاً أن هناك مصلحة بريطانية استراتيجية وسياسية بتعطيل التوجه للوحدة الأوروبية السريعة والدستور والاقتصاد الأوروبي، طالما أن هناك تحالفاً استراتيجياً بريطانياً أمريكياً، وطالما ان بريطانيا توظف الاستراتيجية الأمريكية لمصالحها الشخصية والذاتية بعيداً عن بل ومناقضاً للمصالح الأوروبية فإن هذه المقاومة من داخل أوروبا للوحدة الأوروبية سوف تظل قائمة.

وحتى تتحول هذه القضايا وتتبدل فإن المسرح الأوروبي يعد واحداً من أكثر المسارح مجالاً للبحث والدراسة، وواحداً من أكثر عوامل التأثير على مستقبل العالم السياسي والاقتصادي.