من منا يحب ذكر اسم الأفاعي.... وهل يجرؤ أحد على ملامسة هذه السموم القاتلة، حتى وأن النائم ليفزع إلى أزرار هاتفه ليبحث عن مفسر لرؤياه عندما يرى في نومه أفعى... إنه وبكل المقاييس ترمز الأفاعي إلى الموت بشتى صوره، من واقعي كأحد العاملين في السلك الحكومي قد لامستُ حراشف هذه الأفعى، لست وحدي فحسب بل جميع السالكين على حد سواء ومنهم من يلامسها صباح مساء، اللامس يكاد أن يكون مفقوداً وقد يكون مولوداً.

من هو الشهم الذي لديه حربة نجلاء يأرز إلى أرضنا ويلبي نداء المستغيثين من لأواء أفعانا القاتلة السوداء، فيصنع لنا الأمل، كما رمت بألم شرره كالقصر.

لعل هذه الأفعى هي أسهل توصيف لطريق قلبت المواجع، وأذابت المسامع، وأغزرت المدامع. إنه طريق ما سلكه سالك إلا نفث حر الشكوى، وتعرق خوفاً من تبعات العثرات؛ هلعاً من قصص الموت التي تتراقص على مسامعه.

لعلك سائلي أيها القارئ الغالي عن هذا الطريق المميت أين هو؟

سأجيبك ملبياً ومربتاً؛ إنها طريق ممتدة من - الطريق السريع الرياض مكة - ينطلق بك إلى محافظة الخرمة ثم محافظة رنية ويقف على أعتاب مدينة بيشة، طوله ثلاثمائة وخمسون كيلاً، وألمه ملأ مابين السماء والأرض.

ألا تدرون أن هذه الأفعى التي طولها ما قرأتم، لم يمر أسبوع إلا وقد صادت فريسة غافلة. كم من عائلة بطشت بها، وكم من أسرة بددتها. صليت مرات كثر على هلكى هذا الطريق منهم: أب مع أولاده، أخ وأخته، زوج وزوجته، مسئول قائم على حماية الثغور، عدد ما تشاء فلا حرج ولا عتب عليك.

ها أنا ذا أمضيت أربع سنوات في محافظة رنية، ولم أر عبر أيامها إجابة لأنّات المستصرخين سوى ترقيعات لا تقدم ولا تؤخر، بل أحياناً أثناء عمليات الترقيع التي لا جدوى تذكر من جرائها؛ يحدث حوادث مؤلمة، آخرها حادث الأخ العزيز الملازم ظافر بن رجاء الحارثي - رحمه الله - والذي يعمل في مركز شرطة المحافظة، مات ونجت زوجته وطفلته مع كسور مضاعفة لدى زوجته - شفاها الله -.

ولو سأل قارئ وقال إنه يوجد طرق أخرى تساويه في الخطر والفتك فما هذا بوحيد الألم؟! لقلت له أحسنت ولكن رويدك. ألا تعلم أنه ليس سوى هذا الطريق الذي يسلكه الناس والذي يشبه أنهار أفريقيا الذي تتربص فيه التماسيح الشرسة رجاء الظفر بفريسه، ثم أن الطريق تسلكه بناتنا طالبات كلية التربية في الصباح الباكر عبر باصات كبيرة كل يوم، ويعدن مساءً وهن وعكات، سواء الذاهب منهن لكلية الخرمة، أوكلية بيشة فالألم على حد سواء.

إنه طريق مليء بالشاحنات المحملة بالوقود، أو الأعلاف، أو نقل الحجارة الكبيرة إلى معامل الجرانيت والرخام، أو تجد إبلاً سائبة، أو سالكاً لم يتخذ وسائل السلامة - ولا سيما عندما تكون الأضواء الخلفية مطفأة - أو شاب متهور يسابق الريح. هو طريق مزدوج ذو أكتاف سامة مثله، لا تغني ولا تسمن، وأخطر ما فيه الجسور الضيقة التي احدودبت من كثرة السالكين. لقد وقفت على خطره سنينَ أربعاً فما أراد أحدٌ يأتينا إلا وقد أوصيناه وشددنا عليه الحذر من القوارض التي تتربص به الدوائر، وما جاءنا مسئول إلا وقد ظهر عليه أثر الإعياء الشديد، فيتعزى لحالنا، فنقول ألا تدري أن يومين الأربعاء والجمعة يسلكهما كثير من الأساتذة ذهاباً وإياباً إلى أهليهم خارج المحافظة وذلك كل أسبوع؟، هكذا يألمون كما تألمون فلعل فرجاً يأتي، وللعلم فإن هذا الطريق شريان حيوي لمن يريد الاصطياف في مصايف الجنوب ممن يسلكه من غالب قاطني المنطقة الوسطى والمنطقة الشمالية وعودتهم منه أو من يريد زيارة الحرمين الشريفين من ساكني بعض مناطق الجنوب وعودتهم منه كذلك.

وأخيراً:

أوصي أحبتي في وزارة النقل والطرق والمواصلات وعلى رأسهم معالي الوزير؛ أن يسارعوا إلى وضع حد لهذه المأساة.

اطرحوا هذا المقال أرضا وخذوا سماعة الهاتف واتصلوا بدائرة الهلال الأحمر السعودي أو مراكز الشرطة في رنية، والخرمة، وبيشة. بل فاسألوا الدفاع المدني أثناء إجابة نداءات الاستغاثة، إذ هم يسيرون فلا ينتهي الطريق من شدة خطره وسيقصون عليكم عبراً تذهل المراضع، وتشيب لها مفارق الولدان، وستذكرون أنني لم أحط المعصم بسواره فالأمر أكبر هولاً، والوضع جحيمٌ لاظي.

وأعود قائلاً: لقد كتبت هذه الأحرف بعد صلاة الفجر مباشرة بعدما أطار الكرى عن جفني ما رماه أحد الأخوة على سمعي من وجود وفيات إثر حادث سير على هذا الطريق «وفي كل يوم رزأ جديد» ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكتبت ذلك إيماناً مني بواجب نقل هذه المعاناة عبر صحيفتكم الغراء إلى مسامع ولاة أمرنا - سددهم الله، وأعانهم - والذي لا أرى أدنى شك أنهم سيدعون هذه المعاناة التي عانى منها أهل هذه المحافظات سنين عجاف، وحسبي أن مثل هذه النداءات تجد قلباً رحيماً؛ مما أتفاءل معه أن يكون دراسة عاجلة لهذا الوضع القاسي، سدد الله الخطى ورفع الدرجات وأعان ووفق.