تشكل ظاهرة القلق في المصطلح مشكلة عربية واضحة، فالعرب - في الغالب الأعم - متضاربون في مصطلحاتهم، غير دقيقين في عباراتهم. إلا من رحم الله.

أذكر في أيام دراستي الجامعية الأولية ان أحد أساتذتي في علم القانون كان يؤكد علينا بضرورة اختيار العبارات بدقة شديدة، وكان يردد دائماً: كثير من القضايا خسرها أصحابها بسبب أخطاء بسيطة في العبارات والاصطلاحات.

ظاهرة القلق في المصطلح مشاهدة بكثرة في إعلامنا المحلي، من ذلك، الاضطراب الواضح في تحديد اللفظ الذي يدل على الفئة التكفيرية التي خرجت بين ظهرانينا في الأيام الماضية، فتارة يطلقون عليها لقب الفئة الضالة، وهذا وصف بسيط لا يليق بحجم المآسي التي تكبدها المجتمع على يدهم، وتارة أخرى هم حملة السلاح، وهذا الوصف أطلق عليهم في البداية من قناة الجزيرة القطرية، وروج لهذا المصطلح أحد الدعاة المعروفين، في موقعه الانترنتي، بحسن نية أو بسوء نية لا أدري، غير أن ما أنا متأكد منه تماماً، أن هذا وصف ساذج، وبسيط، يحسن أن نطلقه على من يحمل السلاح غير المرخص في أماكن الصيد، وليس على من يقتل ويفجر في بلاد المسلمين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ويخفر ذمتهم.

ليس من العجيب أن تردد قناة الجزيرة هذا الوصف، وتحاول ترسيخه كتعريف للإرهابيين في بلادنا، فمواقف هذه القناة معروفة لدينا جميعاً، غير أن من العجيب حقاً، أن يكون ترويج هذا القول، في مكان يبث من هذه البلاد، ويشرف عليه طالب علم، يردد دائماً بأنه من المحاربين للإرهاب والتكفير.

تكثر المصطلحات المستعملة في وصف هذه الفئة، وليس هنا مكان رصدها، وبيان عوارها، غير أن هناك مصطلحاً استفزني كثيراً، وحملني على كتابة هذا المقال، خصوصاً بعد أن بدأت حملة لترويجه، على يد كبار المؤثرين على الفكر التكفيري، والذين أخذوا يرددون هذا المصطلح في كل حال وفي كل حين، معززين ذلك بفتاوى ومقالات وأبحاث ركيكة، أرادوا منها أن يثبتوا دقة هذا المصطلح في تعبيره عن الحالة، وأقصد بذلك ما زعموه بأن هؤلاء ليس إلا بغاة.

من المؤكد أن ليس كل من استعمل هذا المصطلح يدخل في دائرة الفئة السابقة، فهناك من يستعمله بحسن نية، وهناك من اخطأ بالتأويل، غير أن الأكيد أن هناك من يستخدمه بسوء نية واضحة.

ولتبيان فساد هذا التأويل فلابد، بداية، من ذكر تعريف البغاة، ونختار لذلك تعريفاً واضحاً اختاره الكثير من أهل العلم، وهو كما ورد في (دليل الطالب) أنهم: الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة.

إذن، فللبغاة شروط يجب أن يتصفوا بها، كي تنطبق عليهم أحكام البغاة، وهذه الشروط كما يقول صاحب الإقناع هي:

1- أن يكونوا في منعة، أي شوكة، بكثرة أو بقوة. وقال صاحب المغني: "يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش".

2- أن يخرجوا عن قبضة الإمام، وطاعته، وذلك "بانفرادهم ببلدة أو قرية أو موضع من الصحراء".

3- ان يكون خروجهم عن الإمام بتأويل سائغ ومحتمل من الكتاب والسنّة.

وللبغاة أحكام في الفقه الإسلامي، منها:

1- لا يضمنوا ما أتلفوه من نفس أو مال في القتال.

2- لا يجوز مبادأتهم بالقتال، بل على الإمام أن يرسل لهم من يدحض شبههم.

3- لا يقتل مدبرهم، ولا أسيرهم، ولا يسرع على جريحهم بالقتل، ولا يجوز غنم مالهم.

من الواضح لكل ذي لب، أن تعريف البغاة لا ينطبق على هذه الجماعات، فهم ليسوا أصحاب شوكة ولا منعة، فعددهم قليل منذ الأصل، ومازالوا يتناقصون يوماً بعد يوم، ولا حاجة لحشد الجيوش لكف أذاهم وإلزامهم بالطاعة، فكل ما يحتاج الأمر له مجموعة بسيطة من بواسل رجال الأمن لإخراجهم من جحورهم، هذا ما جرى عليه الأمر منذ ظهور هذه الفئة وإلى اليوم، كما أنهم لم يتفردوا في بلدة ولا قرية ولا في أي بقعة من بقاع أرضنا الطاهرة، بل إنهم متسترون في جحورهم كالفئران، وفي أماكن متفرقة ومتغيرة، كما أن تأويلهم في الخروج على الإمام، ليس بالتأويل السائغ ولا المقبول.

فكيف بعد هذا يقولون عنهم بأنهم بغاة؟

لا أريد التعميم في جوابي على هذا السؤال الشائك، لذا سيكون الجواب داخلاً في باب التخصيص، فأقول: لأن هناك من يريد أن تطبق أحكام البغاة المخففة على هذه الجماعات التكفيرية الإرهابية وإنقاذهم من تطبيق حد الحرابة عليهم في حال وصفهم بكونهم مفسدين في الأرض، ومنهم من أكد على ذلك بدعوته للعفو عن الحق الخاص في حال مبادرتهم بالاستسلام، وقال ان ذلك سيؤدي لوأد الفتنة (كذا)، كما أن في التلميح بأن لهم تأويلاً سائغاً، مدخلا لمن يحاول أن يقدم نفسه بمنظر قائد الجناح السياسي لهذه الجماعات بالضغط على الحاكم في سبيل الرضوخ لمطالب معينة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

إذن فهم ليسوا بالبغاة ولا تنطبق عليهم شروط البغاة ولا أحكامهم، فماذا هم إذن؟

يقول الفقهاء بأن اختلاط شرط من الشروط السابقة، يخرجهم من دائرة البغاة، ويدخلهم في دائرة قطاع الطريق، وتعليل ذلك كما يقول صاحب كشاف القناع: لأنا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوا لأفضى هذا إلى اتلاف أموال الناس.

وحكم قطّاع الطريق كما هو معلوم، وارد في قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض}، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم.

وإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإن الحكم هو أنه تسقط عنهم حقوق الله تعالى (أي الحق العام) وتبقى عليهم حقوق العباد من نفس وطرف ومال (أي الحق الخاص) إلا إذا عفوا عنها، وذلك لقوله تعالى {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم} (راجع منار السبيل). وهذا الحكم الشرعي هو نص مبادرة خادم الحرمين كما يعلم الجميع.

ومن الملاحظ أن هؤلاء التكفيريين، لم يكتفوا بالخروج على الإمام، ومحاربته، بل إنهم زادوا على هذا أن قاموا بتكفيره هو، ووزرائه، ورجاله، وعلماء دولته، وعسكره وجيشه، وكفروا باقي الناس في أمور هي حتى في حال إذا تنزلنا على أنهم متأولون فيها فهي تدخل في أحسن حالاتها وأشد تأويلاتها في باب الكبائر، وفي هذا شبه واضح بينهم وبين الخوارج، وحكمهم الراجح في هذه الحالة كما قالت طائفة من أهل الحديث كما يقول صاحب المغني: "أنهم كفار حكمهم حكم المرتدين لما روى أبوسعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيهم (انهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم إلى يوم القيامة) رواه البخاري، وفي لفظ (لا يجاوز ايمانهم حناجرهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد). فعلى هذا يجوز قتلهم ابتداء وقتل أسراهم واتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل".

إذن فالوصف الصحيح لهذه الفئة بأنها محاربة لله ورسوله، ومفسدة في الأرض، ولا أرى بأساً من وصفهم بالخوارج، وذلك لتطابق صفاتهم مع صفات الخوارج، كما قال الكثير من مشايخنا الفضلاء، ومن المؤكد بأن مصطلح التكفيريين يعبر عن حالتهم أيضاً، كما أن تسميتهم بالإرهابيين على اعتبار أن الإرهاب مصطلح قانوني شائع يعبر عن وضعهم النظامي لا بأس فيه على الإطلاق، وهو الأقرب لفهم العالم الخارجي، والذي لابد من مراعاة فهمه لخطابنا، في هذا الزمان الذي تحول فيه العالم كله إلى ما يشبه القرية الواحدة الصغيرة.

وفي كل الأحوال، على الإعلام أن يكون دقيقاً في عباراته، وأن لا ينجرف وراء مصطلحات أقل ما يقال عنها إنها غير دقيقة، هذا إذا لم نقل خبيثة.