يعود تاريخ مفاعل بوشهر إلى ما أعلنه شاه إيران، محمد رضا بهلوي، عن برنامج نووي طموح لإقامة 20 مفاعلاً نووياً، وتم إسناد عملية إقامة المفاعلين إلى شركة «سيمنس» الألمانية التي بدأت العمل على الفور دون عراقيل تذكر. ويُعد مفاعل بوشهر العمود الفقري للبرنامج النووي الإيراني حيث كان الأول بعد المفاعل الذي أعطته الولايات المتحدة الأمريكية لإيران في الستينيات وكان بطاقة تبلغ 5 ميغاواط، وتم تشغيله شمال غرب طهران في 1967م.

أقلعت طائرة الفوكر الروسية الصنع متجهة إلى مدينة بوشهر الساحلية على الخليج العربي كانت الرحلة هادئة رغم المرتفعات الجبلية التي تقع بين طهران وتلك المدينة، حيث إن المطبات الهوائية عادة ما تكون في المناطق ذات السلاسل الجبلية، الطائرة كانت تقل خليطاً من الإيرانيين والعرب والأوروبيين، وبعد رحلة دامت حوالي ساعة ونصف حطت الطائرة في مطار بوشهر حيث كان الجو يميل إلى البرودة وما أن وصلت حتى انتقلت بالحافلة إلى أحد الفنادق القريبة المطلة على الخليج. كانت الساعة تشير إلى حوالي التاسعة مساء، الهدوء يخيم على المدينة والطرق شبه خالية من السيارات والمدينة يغلب عليها الطراز المعماري القديم الذي يشبه إلى حد بعيد المنازل القديمة في مملكة البحرين والكويت.

وصلت إلى الفندق الذي تعود ملكيته إلى الحكومة الإيرانية وخلدت إلى النوم باكراً بسبب يوم الغد حيث ينتظرني موعد مهم جداً في مفاعل بوشهر النووي، الذي يقع على ساحل الخليج العربي في الساعة الثامنة صباحاً، توجهت إلى مطعم الفندق لتناول طعام الإفطار حيث تناولته على عجل ومضيت إلى بهو الفندق حيث كان ينتظرني أحد المنسقين وانطلقنا بالسيارة إلى موقع المفاعل إلا أن أمراً استجد على مسار الرحلة فقد توقفنا في طريقنا بالمنطقة الاقتصادية الحرة التي استضافنا المسؤولون فيها بكل كرم وترحيب واطلعنا على أهم المشاريع والأنشطة والمهام التي تقوم بها هذه المنطقة، ولمسنا من خلال ذلك الاهتمام جدية ورغبة في الوصول والانفتاح نحو السوق العالمي حيث أشار أحد المسؤولين إلى أن هذه المنطقة تقدم تسهيلات وخدمات متعددة للمستثمرين، حيث يحصل المستثمر على جميع الأرباح له من دون أدنى فائدة تعود إلى إدارة المنطقة الحرة، إضافة ذلك بالإمكان افتتاح مشاريع صناعية دون أخذ أي رسوم أو ضرائب والتصدير لأي مكان خاصة أن المساحة الشاسعة لهذه المنطقة والتي تقدر بمساحة 2000 هكتار وتتسع لعدد كبير من المستثمرين بما في ذلك المستثمر الأوروبي والأمريكي، حيث يضيف المسؤول في هذا الجانب أن هناك عدداً من الشركات الإيرانية والبلجيكية وغيرها تستثمر حالياً في هذه المنطقة، إضافة إلى ذلك قدر المسؤول في المنطقة الحرة قيمة صادرات المنطقة الصناعية بحوالي 127 مليون دولار، ودعنا المسؤولون في المنطقة الحرة بحفاوة ومضينا في طريقنا إلى المقر الإداري للمنظمة الدولية للطاقة الذرية في بوشهر حيث كان في استقبالنا موظفون وخبراء في المنظمة ومدير العلاقات العامة «سيمورغ» وتمت استضافتنا في المكان المعد حيث سنلتقي عدداً من المسؤولين في المنظمة.

والتقينا الخبير التقني النووي (حسين درخشندي)، وفي هذا اللقاء شدد مدير العلاقات العامة على أن تكون الأسئلة الموجهة للخبير ذات طابع تقني وليس سياسي، تحدث الخبير «حسين» قائلاً: إن هذا المفاعل يعمل بالماء العادي والطاقة الحرارية له 150 ألف ميغاواط، ويتكون من ثلاث حلقات، الأولى مدار مغلق يحفظ الحرارة داخل المفاعل عن طريق مولدات الخبار، وفي الحلقة الثانية المغلقة يتبدل الماء إلى بخار والبخار يدخل إلى التوربين، وبالتالي تنتج الكهرباء، أما المدار الثالث فهو الماء الذي يساهم في تبريد المفاعل ويعود من المفاعل إلى مياه الخليج بزيادة درجتن مئويتين، الخبير النووي أوضح أن هذا المفاعل يشبه في تصميمه المفاعل الذي صممه الألمان قبل الثورة (1979م) إلا أن الروس غيروا التصميم بما يتناسب معهم، كما ذكر الخبير بأن عمر المفاعل الافتراضي هو 30 سنة عمل وأن المفاعل الحالي في مرحلة نصب المعدات، وأن الوقود النووي سيجلب من روسيا كما أن النفايات النووية ستعود إلى روسيا حسب المواصفات الدولية.

الخبير «درخنشندي» خريج إحدى الجامعات الإيرانية وقد اكتسب الخبرة في هذا المجال من روسيا، اللقاء الآخر كان مع الخبير في الشأن البيئي السيد «خاموشي» الذي قال أنه ومنذ أواسط السبعينيات تم التخطيط لتأسيس وحدتين تنتجان طاقة بحوالي 2000 ميغاواط، ومنذ تلك الفترة كانت هناك أبحاث بيئية عن طريق خبراء أجانب، ودراسات تكميلية للبيئة وتم إعداد وثائق معدة ومطابقة للجهات البيئية وموافق عليها من قبل الطاقة النووية الإيرانية وكذلك المستشارين الروس والإيرانيين، وقال الخبير البيئي بأن أبعاد الدراسة تتم على نطاق يبلغ 80كيلومتراً وكذلك على نطاق بحري يبلغ 200 كيلومتر، وتم التوصل إلى أن المفاعل مأمون إلا أن الأثر ضئيل جداً، الدراسة كما قال الخبير تتم على أشكال الحياة البشرية والمائية والنباتية، كما أن الأثر الإشعاعي الناتج عن المفاعل كما يذكر «خاموشي» ضئيل جداً ولا يذكر ولا يتعدى المياه الإقليمية منها، وبإمكان أي شخص استخدام مياه البحر والصيد منها في دلالة على انعدام الأثر، وكل تلك الإجراءات تتم في الإطار المطابق للمواصفات الدولية. كما أضاف السيد «خاموشي» أنهم أعدوا برامج خاصة للحالات الاضطرارية والطارئة كما أن هناك تعاوناً في مجال البيئة مع دول الخليج.

اللقاء الأخير كان مع مسؤول الجانب الوقائي المهندس «محمد أميري»، الذي قال إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدمت لهم مساعدات في الجانب الوقائي وبأنهم يعملون في إطار المقررات الموضوعة في هذا المجال وفق المواصفات الدولية للوقاية من الإشعاعات كما استعرض «أميري» المراحل الأساسية لتنفيذ وإعداد مفاعل نووي حيث ذكر أن إحدى المراحل تتطلب عمل دراسات جيولوجية وبيئية وأخذ الموافقات والاشتراطات اللازمة إضافة على ذلك مرحلة بناء المفاعل والتي تحتاج لوثائق منه التحليل الوقائي وتحمل هذه الوثائق في طياتها مواصفات المشروع وجدوى المشروع وتقرير عن البيئة ويرها من المستندات، كما تحدث «أميري» عن القطع الخاصة بالمفاعل النووي وذكر أن هذه القطع تصنع في روسيا وأن هناك خبراء من إيران يشرفون على تصنيع هذه القطع كما أن هناك ممثلاً للنظام الوقائي الروسي متواجد في إيران، وفيما يتعلق بالكوادر البشرية أوضح «أميري» أن هناك 700 إيراني تدربوا في روسيا لمدة 3 سنوات، وعن الجانب الوقائي يضيف «أميري» أنه تم تشكيل فريق عمل إيراني روسي دولي في المجال الوقائي كما أن الوكالة الدولية قدمت تقارير لدول المنطقة عن المفاعل بأنه مأمون ولا يوجد خطر منه وأنها أي الوكالة الدولية تعرف كل صغيرة وكبيرة عن هذه المنشأة النووية منذ تأسيسها، موضحاً أن فرق التفتيش كانت تأتي لزيارة هذا الموضع كل شهر أو شهرين، غير أنه في الآونة الأخيرة أصبحت تأتي في فترات متقاربة جداً، إلاأن مدير الوكالة الدكتور البرادعي أتى لهذا الموقع آخر مرة قبل حوالي سنتين. وعن عمر المفاعل أوضح أنه يتم بناء المفاعل عادة من 7 - 8 سنوات حسب الميزانية الموضوعة له وأنه يتم الإعداد حالياً لوثائق لكيفية إيقاف المشروع بعد 30 سنة عمل، موضحاً أن عدد المفاعلات في العالم حوالي 440 مفاعلاً توفر 17٪ من كهرباء العالم، وأن الكثير من الدول التي لديها مفاعلات لديها أيضاً ثروات طبيعية كالبترول والغاز دليلا على أهمية هذه التقنية. والذي لم يكن يبعد كثيراً عن المقر الإداري للمنظمة وقبيل وصولنا إلى المكان المقصود لاحظت وجود العديد من الرادارات العسكرية والمضادات الجوية من سلاح الدفاع الجوي في حالة استعداد وتأهب ووصلنا إلى المفاعل حيث كانت هناك لوحة منصوبة كتب عليها باللغة الفارسية عبارة ترحيبية لزوار المفاعل وبعد دخولنا من البوابة الرئيسية كان المكان يعج بالروس الذين يعملون على إنشاء المفاعل الثاني وبانت قبة المفاعل الضخمة ويبعد عنها بحوالي 100 متر قبة أخرى غير مكتملة البناء وإلى جانبه قبة المفاعل النووي الأول والذي توقفت عن إنشائه الشركة الألمانية «سيمنس» بعد الثورة في إيران حيث كانت الشركة الألمانية قد انتهت تقريباً من 85٪ من عملية بناء المفاعل الأول، بينما كان تم التقدم جزئيا، بنسبة تقترب من 50٪ في بناء المفاعل الثاني المجاور له، لكن توجهات الثورة أمرت بإيقافه.

وبعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، طلبت طهران من شركة «سيمنس» استئناف عملها في بناء المفاعلين المدمرين بفعل الحرب، إلا أن الشركة رفضت ذلك بسبب ضغوط أقواها كان من الولايات المتحدة ما حدا بإيران للاحتكام إلى القانون التجاري الدولي وتحولت إيران الى روسيا فتم توقيع اتفاقية عام 1992 تقضي بتعاون نووي بين روسيا وايران في مجال الأغراض الصناعية السلمية وبناء المحطات النووية، وبناء على هذه الاتفاقية شهد العام 1994 توقيع عقد بحوالي (800) مليون دولار لبناء مفاعل بوشهر الأول في نفس الموقع مع التفاوض حول بناء روسيا للمفاعل الثاني في إطار مشروع إيراني جديد لإقامة محطات للطاقة النووية، من العراقيل التي شهدتها الاتفاقية مع روسيا المشكلات المالية والضغوط الدولية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لإلغاء الاتفاقية.

بعد وصولنا الى القبة النووية كان في الاستقبال مسؤولون في المفاعل من الذين التقينا بهم في المقر الإداري منهم السيد «أميري» واعتمرت الخوذة الصفراء الواقية حيث طلب مني ذلك المسؤولون خوفاً من سقوط أي شيء بعد ذلك استقليت المصعد المخصص الذي يأخذ شكل المصاعد المكشوفة على شكل قفص حديدي يصدر منه صوت مزعج، كان المنظر من الأعلى جميلاً حيث الشاطئ وما أن وصلت حتى طلب مني الخروج والتوجه نحو إطلالة أخرى حيث مدخل المفاعل الذي يأخذ شكلاً دائرياً وطلب مني دخول المفاعل حيث كنت متشوقاً لرؤية ما بداخل هذه القبة التي شغلت العالم والمجتمع الدولي ولم تطلعنا وسائل الإعلام على تفاصيلها، هممت بالدخول الى المفاعل الذي يشبه ورشة عمل متعددة المهام تعج بالحدادين والدهانين والعلماء والخبراء الإيرانيين والروس، اطلعت في البداية على ما كنت أظنه المفاعل إلا أنه كان احدى وحدات التوليد، قام الفني المختص بشرح ذلك بأسلوب علمي يغلب عليه طابع التعقيد الممزوج بالمصطلحات التخصصية توجهت بعد ذلك الى أحد دهاليز المفاعل نحو الأسفل عبر تحويلات وممرات يتضح لمشاهدها أنها حديثة البناء حيث دخلت الى فناء يحوي على عدات ضخمة، بعد ذلك توجهنا الى غرفة التحكم حيث يوجد بها العديد من الشاشات ولوحات التحكم التي أوضح الفني أنها تعمل أوتوماتيكيا دون تدخل يدوي بعد ذلك توجهنا الى جزء آخر في المبنى حيث شاهدنا المولدات الحرارية. ولعل ما لفت انتباهي شيئين الأول الشباب الإيراني الموجود بكفاءة في كل مكان والثاني الشفافية في التعامل مع هذا الملف الحساس من خلال اطلاع وسائل الإعلام على هذه المنشأة الحيوية والسماح بتصويرها دون أي عراقيل تذكر أو استثناءات كل ذلك يأتي في ظروف يغلب عليها طابع القسوة التي يعيشها الوضع الإيراني من خلال تضييق الخناق عليه سياسياً وتواضعه اقتصادياً، انتهت الجولة في المفاعل وخرجت من طريق آخر وليس نفس الطريق الذي دخلت معه، خرجت من المفاعل ولدي يقين بأن ما شاهدته في وجوه الإيرانيين يؤكد بأنهم عازمون على المضي في هذا الطريق.