يعد السيد إيف غينا من الشخصيات الفرنسية السياسية البارزة التي لها معرفة جيدة بالعالم العربي والعلاقات الفرنسية. فقد تقلد مناصب وزارية عديدة لاسيما في عهد حكم الجنرال ديغول. وعهد له في مهام حكومية وغير حكومية كثيرة أخرى من بينها منصب نائب مجلس الشيوخ الفرنسي من عام ألف وتسع مائة واثنين وتسعين إلى عام ألف وتسع مائة وسبعة وتسعين قبل تعيينه رئيساً للمجلس الدستوري. وهو يشغل منذ عام ألفين وأربعة رئيساً لمعهد العالم العربي. وبمناسبة زيارة الرئيس الفرنسي إلى المملكة التقته «الرياض» وأجرت معه الحديث التالي لأسباب عديدة من بينها المكانة التي يوليها خادم الحرمين الشريفين للثقافة كأداة لتوطيد العلاقات بين المملكة وسائر البلدان والشعوب ولأن السيد غينا من الشخصيات المقربة إلى الرئيس الفرنسي فيما يلي نص الحديث:

٭ كيف تنظرون إلى زيارة الرئيس الفرنسي الحالية إلى المملكة؟

  • أنا لست مسؤولاً في الحكومة الفرنسية. وبالتالي فإن ما سأقوله يعبر عن وجهة نظري الخاصة كرئيس لمعهد العالم العربي وكمراقب جيد للعلاقات الفرنسية العربية بشكل عام والعلاقات الفرنسية السعودية بشكل خاص. والحقيقة انه بحكم العلاقات التاريخية بين فرنسا والمملكة والتي شهدت دفعاً كبيراً مع هذا البلد وسائر البلدان العربية الأخرى خلال الفترة التي حكم فيها الجنرال ديغول بلدي لاسيما منذ عام ألف وتسع مائة وسبعة وستين يمكن القول ان هذه العلاقة خاصة وتتميز بالمتانة والدفء. وتنسحب هذه الملاحظة على العلاقات الشخصية بين الرئيس الفرنسي من جهة وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وقد تسنى لي تلمس ذلك خلال مناسبات عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر خلال الزيارة الأخيرة التي قمت بها قبل أيام إلى المملكة في اطار جولة عبر عدد من البلدان الخليجية. فقد كلفني الرئيس الفرنسي بتسليم خادم الحرمين الشريفين رسالة. وقد استقبلني جلالته استقبالاً حاراً. وأدركت ان حرارة الاستقبال هذه موجهة عبر شخصي إلى الرئيس الفرنسي نفسه.

وعليه فإن زيارة هذا الأخير الحالية إلى المملكة زيارة مهمة جداً وليست زيارة عادية. وإذا كان لا وجود لمشاكل سياسية بين المملكة وفرنسا فإني أعتقد أن خادم الحرمين الشريفين وضيفه سيتطرقان إلى عدة مواضيع ذات الاهتمام المشترك ومواضيع اخرى لديها صلة بالأوضاع الاقليمية وفي مقدمتها مسألة السلام الشرق الأوسطي والملف العراقي. وإذا كان موضوع العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية يطرح نفسه على قيادتي البلدين فإن أوضاع العراق تفرض نفسها هي الاخرى لا سيما وأن العراق بلد يقع على حدود المملكة بالإضافة إلى كونه يواجه أوضاعاً صعبة جداً في الوقت الراهن. وأعتقد أن موضوع المسألة اللبنانية السورية ستكون في صلب محادثات خادم الحرمين والرئيس الفرنسي. وكذا الشأن بالنسبة إلى الملف الإيراني. أقول إذن إن اللقاء بين الزعيمين على غاية كبيرة من الأهمية في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة.

دعني أيضاً أقول بمناسبة هذه الزيارة إن بلدان الخليج وفي مقدمتها المملكة استطاعت فعلاً بذل جهود كبيرة في بناء اقتصادياتها وفي العملية التنموية الشاملة. ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً.

دور الثقافة الأساسي

٭ وماذا عن الجانب الثقافي والعلمي في زيارة الرئيس الفرنسي الحالية إلى المملكة؟

  • إن الرئيس الفرنسي سيشهد إلى جانب خادم الحرمين افتتاح معرض التحف الإسلامية التي أعارها متحف اللوفر إلى المتحف الوطني السعودي في الرياض. وأنا أنظر إلى ذلك بكثيرمن الامتنان لا سيما من خلال موقعي على رأس معهد العالم العربي الذي يتمثل دوره الأساسي في اقامة جسور بين الحضارتين العربية الإسلامية من جهة والحضارة الغربية من جهة اخرى.

وما يشد انتباهي في هذا السياق وأثني عليه كثيراً أن تعبر مؤسسة فرنسية اخرى تعمل في مجال الثقافة مجموعة من القطع الفنية الرائعة المتصلة بالفن الإسلامي إلى المتحف الوطني السعودي وأن تنقل هذه القطع في ظروف جيدة جداً. وبهذه المناسبة أود أن أقول إن الرئيس الفرنسي سيفتتح يوم السابع والعشرين من شهر مارس الجاري في متحف اللوفر مجموعة حول الفنون الإسلامية. ولن يكون بمفرده خلال هذه التظاهرة الرائعة. وهو أمر جيد للغاية.

وعلاوة على ذلك أحب أن أشير إلى أن لفرنسا دوراً هاماً في مساعدة المملكة على الكشف عن كنوزها الأثرية التي تعود أساساً إلى فترة ما قبل الإسلام. وثمة اليوم حرص لدى المملكة على التعرف إلى هذه الكنوز التي لا يعرفها الكثيرون. وهو أمر مهم جداً باعتبار أن المملكة تقع في منطقة هي مهد للحضارات بل إنها مهد الديانات السماوية الثلاث.

زد على ذلك أن فرنسا تضطلع بدور هام في إعادة ترميم الجزء القديم من مدينة جدة السعودية. بل نحن لدينا مع اصدقائنا السعوديين نقاط التقاء كثيرة في المجال الثقافي. وقد علمت أن المملكة سترسل مزيداً من الطلبة للدراسة في الجامعات الفرنسية. ولابد هنا أن أشير إلى أن علاقاتنا الثقافية مميزة مع المملكة ولقاءاتنا متعددة مع المسؤولين السعوديين الذين يتولون القطاع الثقافي.

٭ حدثنا الآن عن جولتك الخيرة الى عدد من بلدان الخليج.

  • لقد اتفقت مع مدير معهد العالم العربي وكبار المسؤولين في معهد العالم العربي على ان اقوم مع بعض مساعدي بجولة عبر بلدان الخليج للاعداد الى تظاهرة ثقافية ضخمة سنقيمها في المعهد من مايو الى شهر سبتمبر من السنة الحالية. وستنظم هذه التظاهرة بعد المعرض الحالي الذي نقيمه حول عصر العلوم العربية الذهبي والتي تختتم يوم التاسع من الشهر الجاري وقبل معرض آخر ينظم انطلاقاً من الخريف القادم حول البندقية والشرق. واردنا ان نقيم التظاهرة الثقافية حول بلدان الخليج تحت شعار «ربيع الخليج» فأشار الينا بعض اصدقائنا في الخليج الى ان فترة الربيع قصيرة فارتأينا استبدال هذا الشعار بشعار آخر هو «موسم الخليج». ولكننا اهتدينا في نهاية المطاف الى ان كلمة الربيع اجمل من عبارة الموسم. واستقر الرأي عندنا على تنظيم التظاهرة تحت شعار «ربيع الخليج». وستنظم في إطارها عدة معارض منها واحد عن عادات سكان البدو في الصحاري العربية الخليجية وآخر عن الرحالة الاوروبيين الى الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر للميلاد ومعارض اخرى.

كما سنفسح المجال في هذا الإطار لكل بلد خليجي حتى يقدم عن خصوصياته حفلات موسيقة واخرى مخصصة لفنون الرقص وندوات. وسيكون بطبيعة الحال للمملكة منزلة خاصة في هذه التظاهرات كلها وهو امر طبيعي لاعتبارات كثيرة منها حجم المملكة الجغرافي.

وخلاصة القول ان «ربيع الخليج» سيعطي لعلاقاتنا الثقافية مع بلدان الخليج وهجاً خاصاً.

ومرة اخرى اقول بشأن الجولة الاخيرة الى الخليج اني استقبلت استقبالاً حاراً في المملكة وفي البلدان الاخرى التي زرتها وهي امارات ابي ظبي ودبي والشارقة. وزرت ايضاً قطر حيث استقبلت من قبل أمير البلاد وحرمه الشيخة موزة وسلمته رسالة خاصة من الرئيس الفرنسي. وقد استقبلني في دولة الامارات وزير الثقافة الجديد وسلمته الرسالة الموجهة من رئيس الدولة الفرنسية الى رئيس الدولة الاماراتي الذي كان عند ذهابي الى هذا البلد في سفر الى الخارج مع وزير خارجيته. وسأعود ان شاء الله في الشطر الثاني من الشهر الجاري الى دولة الامارات العربية لأزور الامارات التي لم يتسن لي زيارتها خلال جولتي الاخيرة عبر بلدان الخليج.

منطق التهدئة

٭ تأتي زيارة الرئيس الفرنسي الى المملكة في وقت تشهد فيه العلاقات الغربية الاسلامية توتراً بسبب الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت في عدد من الصحف الاوروبية والتي اساءت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والى الاسلام والمسلمين. الى أي حد يستطيع معهد العالم العربي الاضطلاع بدور لمنع تكرار مثل هذا السلوك الذي لا يخدم مبدأ تلاقح الحضارات وتحالفها؟

  • «الواقع أنه تسنى لي من قبل تقديم رأيي في هذا الموضوع أكثر من مرة. وأكدت عليه خلال جولتي الأخيرة إلى بلدان الخليج عبر قناة الجزيرة الفضائية التلفزيونية خلال النشرة المسائية. وهو موقف يندرج في إطار الموقف الذي أعرب عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك والذي أكد فيه بحرارة على ضرورة الدوس على المقدسات باسم الحرية. بل دعني أشير هنا إلى أن أحد استطلاعات الرأي التي أجريت في فرنسا حول الموضوع خلصت إلى أن الفرنسيين متمسكون بمبدأ الحرية الذي يقره النظام الجمهوري الفرنسي ولكن الكثيرين منهم يرون أن هذه الحرية لا يمكن أن تكون مدعاة للاعتداء على مقدسات الآخرين. ومهما يكن من أمر فإني أريد اليوم أن أضطلع بدور المهدئ انطلاقاً من قناعتي بأن الأمور ربما قد بدأت تهدأ. ومهما يكن من أمر أيضاً فإن ما حصل لن يغير في شيء من مهمة معهد العالم العربي الأساسية المتمثلة في السعي إلى إقامة جسور بين الحضارتين العربية الإسلامية من جهة، والحضارة الغربية من جهة أخرى.